فرنسا
قراءة جذرية في أزمة مسلمي فرنسا

علاقة الدولة في فرنسا بالدين الإسلامي، وبالديانات السماوية عموما، لم تكن دائما عادية، ولا كانت تاريخيا من تلك التي بالإمكان الحسم فيها دون أن يكون لذلك تداعيات على الدولة “المضيفة” ذاتها، أو على طبيعة تواجد هذا الدين أو ذاك، وضمنه الإسلام، من بين ظهرانيها

حسب موقع رهيافته ( قاعدة البيانات الشاملة للمسلمين الجدد و المبلّغين و المستبصرين):  علاقة الدولة في فرنسا بالدين الإسلامي، وبالديانات السماوية عموما، لم تكن دائما عادية، ولا كانت تاريخيا من تلك التي بالإمكان الحسم فيها دون أن يكون لذلك تداعيات على الدولة “المضيفة” ذاتها، أو على طبيعة تواجد هذا الدين أو ذاك، وضمنه الإسلام، من بين ظهرانيها.

لقد تطلب الأمر، من لدن الدولة الفرنسية تحديدا، قرونا عدة كي تضمن للبروتستانت مثلا حرية دينية كاملة، كما تطلب الأمر صراعا طويلا ومريرا كي يقبل اليهود الاندماج في الأمة الفرنسية، بعد تمنع لم تحسم أمره إلا سلطة مركزية قوية سنها نابليون في حينه بقوة النار والحديد.

ولذلك، فإن المشاكل والصعوبات الكبرى التي تواجه الإسلام والمسلمين في فرنسا اليوم، إنما تقدم باعتبارها من ذات الطينة (أو تشارف على ذلك) التي عرفتها البلاد وعايشتها في حالة الديانتين البروتستانتية واليهودية. بيد أن إشكالية الإسلام في فرنسا، وفي العديد من بلدان أوروبا، تطرح لربما بحدة أكبر، لاعتبارات عدة متداخلة:

+ الاعتبار الأول لأن الإسلام في فرنسا، هو ديانة جديدة، لا بل ولربما ديانة دخيلة مقارنة مع ما كان موجودا وقائما وسائدا من ديانات. صحيح أن ثمة معطيات تاريخية تثبت تواجد بعض المسلمين هناك في بداية القرن التاسع عشر، لكن ذات التواجد لم يعرف تسارعا وكثافة حقيقيين إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم موجة الاستقلالات السياسية التي طالت، في ستينيات القرن الماضي، معظم البلدان الإفريقية (وبعض بلدان آسيا أيضا) والتي كانت عبارة عن مستعمرات فرنسية أو تحت حمايتها أو خاضعة لوصايتها المباشرة.

+ الاعتبار الثاني، لأن عدد معتنقي الديانة الإسلامية في فرنسا، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وطوائفهم، عدد لا يستهان به، إذ أضحوا يمثلون، في الوقت الحاضر، ما بين ۶ إلى ۱۰ بالمائة من السكان، ۴۰ بالمائة ضمنهم متدينون ممارسون لطقوسهم بانتظام. ولذلك، فلم يعد ينطبق على هؤلاء صفة “أقلية” كما قد يذهب إلى ذلك البعض. لقد أضحوا جزءا معتبرا ضمن النسيج الديموغرافي والاجتماعي الفرنسي، وبكل المناطق والجهات. عدد معتنقي الديانة الإسلامية في فرنسا، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وطوائفهم، عدد لا يستهان به.

+ الاعتبار الثالث لأن للإسلام في فرنسا خصوصية تميزه عن باقي الديانات السماوية، والتي تتمثل في كونه لا يقيم تمييزا ولا تمايزا بين الديني والدنيوي من ناحية، ولا يخضع لتراتبية محددة في تنظيمه أو في هيكليته أو في بنيته وبنيانه. بالتالي، فما دام الإسلام لا يعترف بالوساطة بين المسلم وخالقه، على شاكلة المسيحية مثلا، فإنه من المتعذر حقا إيجاد مخاطب مباشر وذو شرعية بالإمكان الارتكان إليه، ومن ثمة محاورته وإيجاد صيغ الحلول المرتضاة من لدن هذه الجهة كما من لدن تلك.

+ الاعتبار الرابع ويكمن في السياق الدولي العام، ولا سيما في ظل ما بات يسمى منذ مدة بـ”الإرهاب الإسلامي” الذي تلا إنشاء تنظيمي القاعدة وداعش ودخولهما حيز المواجهة المباشرة مع الغرب. هذا الاعتبار لا يشير فقط إلى جانب التهديدات المباشرة التي رفعت لواءها “الأممية الجهادية”، بل يشير أيضا إلى قدرة هذه التنظيمات على اختراق البيئة الإسلامية، ومن ثمة استقطاب شباب لم يعد يجد في قيم الغرب ولا في نمط عيشه، إمكانية للحفاظ على تدينه وهويته وانتمائه داخل البيئة إياها.

+ أما الاعتبار الخامس، فيتمثل في نظر العديدين، في جهل الفرنسيين بما هو الإسلام والدين الإسلامي. وعلى الرغم من ذلك، فإن العديد من الفرنسيين وإن اعتبروا أن الإسلام دين سلم وسلام، إلا أنهم لا يخفون تخفوهم وخشيتهم من “التأويلات الجهادية” لمضامينه وتوظيفها ضد قيم العيش المشترك الذي تحاول الدولة الفرنسية سنها وتكريسها… أو هكذا يقول مسؤولوها وسياسيوها والعديد من مثقفيها.

والواقع أن علاقة الدولة في فرنسا بالدين الإسلامي، وبالديانات السماوية عموما، لم تكن دائما عادية، ولا كانت تاريخيا من تلك التي بالإمكان الحسم فيها دون أن يكون لذلك تداعيات على الدولة “المضيفة” ذاتها، أو على طبيعة تواجد هذا الدين أو ذاك، وضمنه الإسلام، من بين ظهرانيها.

تعتبر أزمة المسلمين في فرنسا عبر العقود الماضية من أبرز القضايا التي تشتعل من حين لآخر سواء على الجانب السياسي أو العقائدي، فالرئيس ماكرون الذي يتحدث بخطاب يميني يستقطب فيه أحزاب اليمين لدعمه في الانتخابات القادمة بعدما فقد الكثير من شعبيته خلال احتجاجات السترات الصفراء، كان هو نفسه من حصل على دعم الجالية المسلمة في فرنسا حتى ينتصر على ممثلة اليمين المتطرف، وكأنهم كانوا بين شقي رحى وفي كليهما يكمن الألم.

لكن الأزمة الفرنسية مع المهاجرين المسلمين قديمة فعلاً، ولها جذور وقصص كثيرة باعتبارها تتعامل مع ثاني أكثر ديانة في فرنسا من حيث عدد السكان ومن حيث احتوائها على أكبر جالية مسلمة في أوروبا بحسب الأرقام الرسمية، لذا ربما من المهم النظر على ذلك البعد التاريخي لتلك القصة.

ترجع الدراسات بداية الهجرات الكبيرة للمسلمين إلى فرنسا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي الفترة التي كانت تعاني فيها فرنسا من ويلات الخروج من الحرب وبحاجة لأيدي عاملة بنسبة وفيرة لإحياء الحالة الاقتصادية من جديد، وقد كانت البلدان الأفريقية هي المورد الأكبر لهؤلاء المهاجرين، حيث تشير دراسة Muslim Immigration in France: An Interdisciplinary Exploration التي أجرتها الباحثة كاثلين جويل عام ۲۰۰۷ بجامعة ميامي أن أعداد المسلمين في فرنسا في العام ۱۹۸۹ قدرت بحوالي ۱٫۹ مليون شخص من المغرب العربي ومن تركيا وغرب أفريقيا قدرت الأعداد بـ ۲۰۰ ألف و۱۰۰ ألف على التوالي، وعلى مدار السنوات التالية شكلت الجالية المسلمة ازديادًا واضحًا في فرنسا نظرًا لارتفاع معدلات الخصوبة وزيادة الإنجاب بجانب استمرار توافد الهجرات على فترات مستمرة.

يصل عدد المسلمين في فرنسا إلى أكثر من ۵ مليون نسمة من عدة بلدان الشق الأكبر منها من البلدان المغاربية والغرب الأفريقي وتركيا.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الهجرات وخصوصًا القادمة من شمال أفريقيا، كان السبب الرئيسي فيها هو الدمار الذي لحق ببلدان شمال أفريقيا اقتصاديًا ومجتمعيًا بسبب الاستعمار الفرنسي، وبسبب الخطاب الترويجي الفرنسي الذي كان يعمل طوال الوقت على التعامل مع نطاق الدول المغاربية باعتبارها امتدادًا للدولة الفرنسية في أفريقيا، وعلى الرغم من القيود التي كانت موضوعة على الهجرة إلى فرنسا، إلا أن المهاجرين بحثوا فيها عما فقدوه في بلدانهم بسبب الاستعمار الفرنسي نفسه.

تشير الدراسة كذلك إلى أن معظم المهاجرين إلى فرنسا يقطنون في مارسيليا وليون وليل وباريس، أما الذين تنقصهم الشهادات التعليمية، يميلون إلى التحرك نحو المناطق الصناعية وأن الغالبية العظمى من المتواجدين عند المناطق الصناعية من القادمين من الغرب الأفريقي.

تكشف الدراسة أيضًا أن الكثير من القادمين من العمق الأفريقي يكثر تواجدهم على أطراف المدن الكبرى ويصعب حصولهم على سكن في الأحياء الموجودة في المدن الرئيسية، كما أن الكثير منهم يعيش في حالة من الفقر، وتشير الدراسة إلى أن الكثير منهم ينتمون إلى الديانة الإسلامية كمسمى فقط، لكنهم لا يمارسون أي شعائر مرتبطة به، وهؤلاء لا يشكلون خطرًا ملحوظًا ونادرًا ما يتم تداول قضاياهم في الإعلام الفرنسي، على الرغم من أن بلادهم حتى الآن ترسل نواتجها القومية المحلية السنوية إلى الخزانة الفرنسية ضمن الاتفاقية الاستعمارية التي فرضتها فرنسا تحت مسمى فرانك غرب أفريقيا.

تشير المراجع التاريخية التي اعتمدت عليها الدراسة كذلك إلى أن الهجرات التي وصلت فرنسا لم تحظى بأي اهتمام إعلامي أو سياسي وظل الجانب المتعلق بالتعامل معها هو ذلك المتعلق بفرض حالة من الاندماج وهو ما يشكل جزءًا مهمًا من صراع الهوية.

يشير تصنيف أعدته إحدى الجامعات إلى أن شقًا لا بأس به المهاجرين المسلمين إلى فرنسا ما زالوا مستمسكين بعقائدهم ويمارسون الشعائر بشكل منتظم، حيث قسم ذلك التصنيف المهاجرين عبر بلدانهم فجاءت الجزائر في المركز الأول بحوالي ۱٫۵۵ مليون مهاجر، تليها المغرب بمليون مهاجر وتونس بـ ۳۵۰ ألف مهاجر وبعدهم السمر الأفارقة بـ ۲۵۰ ألف شخص وتركيا بـ ۳۱۵ ألف مهاجر ومن تحولوا للإسلام من الفرنسيين أنفسهم بحوالي ۴۰ ألف شخص ويليهم مهاجرين غير شرعيين وطالبي لجوء من عدة بلدان مختلفة بحوالي ۳۵۰ ألف والآسيويين بحوالي ۱۰۰ ألف و۱۰۰ ألف من مختلف بلدان العالم، وعلى الرغم من تلك الكثافة وذلك التنوع إلا أن أزمة هوية ومعتقد لا زالت قائمة في فرنسا حتى الآن.

جزء من تلك الأزمة متعلق بأن فرنسا وعبر تاريخها الاستعماري لم تقبل في أي وقت أن تواجه بأي شكل من أشكال الاختلاف عنها، وكان تاريخها الكولونيالي دائمًا يشير إلى رغبة جامحة في وضع المعايير الخاصة بها سواء داخل الدول التي تستعمرها أو في الداخل الفرنسي نفسه، حتى أن أول مسحد بني في فرنسا عام ۱۹۲۶ كان لأجل الجنود المتواجدين في القوات الفرنسية إبان الحرب العالمية الأولى، على الرغم من أن المراجع تشير إلى أن المسلمين موجودون في فرنسا منذ ۱۸۳۰ لكن لم يحصلوا على حق إنشاء مسجد واحد طوال تلك المدة، وكان يلزمهم المشاركة في الحرب مع فرنسا حتى يحصلوا على تلك الميزة، كما أنها وبحسب الدراسة لم تتأخر في استخدام مستعمراتها في الشمال الأفريقي كمصدر للعنصر البشري إبان الحرب العالمية الثانية.

بعد سقوط الأندلس سنة ۱۴۹۲ ميلادية، فقد دخلت العلاقة بين المسلمين وفرنسا منعطفا آخر، ليس قائما على الحرب والمواجهة هذه المرة، بل على التعاون لمصالح مشتركة بسبب عداوة الطرفين لإسبانيا الكاثوليكية. لم تمانع فرنسا من استقبال عدد من المسلمين الذين فضَّلوا البقاء في أوروبا بعد سقوط الأندلس بدل ترحيلهم إلى شمال أفريقيا، فأقاموا المساجد وعملوا في التجارة وازدادوا عددا بعد دخول فرنسيين في الإسلام. وفي سنة ۱۶۰۵ ميلادية زارت بعثة من الموريسكيين (*) الملك الفرنسي هنري الرابع بسبب التضييق الكبير من إسبانيا، مقترحين عليه مساندتهم للقيام بثورة مسلحة ضد فيليب الثالث ملك إسبانيا.

كانت فرنسا على وشك إعادة رسم الخريطة الجغرافية لأوروبا وكتابة تاريخ جديد لحضور المسلمين في القارة العجوز، حينما كانت تنظر “للدين” بشكل مختلف تحت حكم هنري الرابع صاحب الموقف الرامي إلى نبذ الخلافات الدينية سواء الداخلية بين الطوائف المسيحية أو بين المسيحية والديانات الأخرى، لكن القدر لعب لعبته قبل أن يتم لفرنسا ما أرادت، وكان ذلك على يد راهب مجنون اغتال هنري الرابع وأنهى معه حلم المسلمين في العودة مجددا إلى موطنهم في الأندلس. بعد انكشاف المخطط، شرعت إسبانيا في خوض ماراثون جلسات التعذيب للمشاركين في هذه المحاولة الانقلابية لإجبارهم على الاعتراف بتفاصيل المخطط وجميع المشاركين فيه، قبل أن تُقرِّر ترحيل ۵۰۰ ألف موريسكي يوم ۱۰ فبراير/شباط ۱۶۱۰ تفرّقوا ما بين فرنسا وإسبانيا وشمال أفريقيا.

ثم واصلت قلاع المسلمين السقوط الواحدة تلو الأخرى، والقلعة الثانية لم تكن سوى الدولة العثمانية، رجل أوروبا المريض الذي أسلم الروح لسايكس وبيكو يشرّحان جثته كما يريدان، حينها دخلت العلاقة بين المسلمين وفرنسا منعطفا جديدا، منعطف الاستعمار والهجرة إلى الشمال. وأرست فرنسا أشرعتها في البلدان الأفريقية، وانقلبت موازين اللعبة، ورفعت فرنسا رايات “جهاد الطلب”، وأرسلت خيلها بحثا عن غنائم أفريقيا من المعادن والتوابل والأحجار الكريمة وجنود وعمال يدافعون عنها عندما تشتد وطأة الحرب، ويبنونها عندما تنجلي سحابتها.

واستعانت فرنسا بمواطنيها لتثبيت وجودها ديموغرافيا في الدول المحتلة، كما هو الحال في الجزائر مثلا التي شكّل فيها “الأقدام السود” (**) طبقة الأسياد على شعب العبيد، مقابل ذلك استفادت إدارة باريس من رأس المال البشري للدول الأفريقية لتدعيم جبهات القتال خلال الحربين العالميتين وللمساهمة في إعادة إنشاء البنيات التحتية والعمل في مصانع السلاح. فانطلقت مواسم الهجرة إلى الشمال من الجزائر سنة ۱۸۷۰، ومع اندلاع الحرب العالمية، استقبلت فرنسا ۱۳۲ ألف عامل مغاربي للحاجة الكبيرة إلى أياد تحمل الأسلحة والمطارق، وإثر تضاعف الأعداد لاحظ المسؤولون الفرنسيون أن علاقة الوافدين من المسلمين مع دينهم تزداد توطّدا خلال فترات الحروب والأزمات الصعبة، فما كان منهم إلا أن عكفوا على إنشاء قاعات للصلاة داخل المستشفيات والمصانع ومخازن السلاح، كما تم خلال الفترة نفسها بناء أول مسجد خشبي بمعسكر زوسين.

مع نهاية الحرب العالمية الأولى ازدادت وتيرة الهجرة لحاجة فرنسا إلى اليد العاملة التي ستبني البلاد بسبب خراب الحرب، لكنّ المهاجرين الجُدد لم يكونوا على قدر كبير من الالتزام الديني، إذ كانت الغالبية تقضي ساعات يومها بين العمل والكحول والقمار والمومسات. والسيناريو نفسه سيتكرر مع الحرب العالمية الثانية، حين كادت النازية أن تمحو فرنسا من شمالها إلى جنوبها، لذلك تضاعف عدد العمال المغاربيين القادمين من المستعمرات الفرنسية آنذاك لبناء المدن الفرنسية المتضررة وترميم اقتصادها المتهالك، استقر هؤلاء العمال بضواحي المدن في المساكن التي وفرتها لهم الدولة الفرنسية، ومع الوقت التحقت بهم أسرهم ليصبح الإسلام ولأول مرة ثاني أكبر ديانة في البلاد الفرنسية بعد المسيحية، والتحدي الأول والأكبر للنموذج العلماني الفرنسي الذي لا يهضم أي وجود ديني في المجتمع يتجاوز الحدود المسطرة في “مبادئ الجمهورية”.

عندما تصل إلى فرنسا كمهاجر قادم من دول غير غربية، هاربا مثلا من الحروب في الشرق الأوسط، أو المجاعات في أفريقيا أو الأزمات الاقتصادية في بلدان آسيا الفقيرة، فستكون مطالبا بحضور دورة “الإدماج والتعريف بمبادئ الجمهورية” التي يسهر على تنظيمها المكتب الفرنسي للهجرة والإدماج. تهدف هذه الدورة إلى تعريف الوافدين الجدد بفرنسا، تاريخها وثقافتها ومجتمعها، الفقرة “الأهم” حسب منشطي هذه الدورة، هي تلك المخصصة للعلمانية، إذ تُقدِّم فرنسا نفسها على أنها بلد بدون دين، إلا أنه يكفل الحرية الدينية للجميع، لكن هذا الأمر لا يُمثِّل كل الحقيقة، ولا حتى نصف الحقيقة.

تبنَّت فرنسا العلمانية كمنهج سياسي واجتماعي مع قانون فصل الكنيسة عن الدولة لسنة ۱۹۰۵، والذي ينظر إليه في فرنسا كأنه نص سماوي غير قابل للمس ولا التأويل على غير الوجه الذي أُنزل به، وفي سنة ۲۰۰۴ تمت إعادة صياغة التعريف ليشمل المساواة في التعامل مع جميع الأديان. إلا أن العلمانية الفرنسية تختلف عن نظيرتها البريطانية مثلا أو الأميركية أو الألمانية، لذلك نجد مصطلحا خاصا بهذه الأيديولوجية في الموسوعة السياسية، ألا وهو مصطلح “اللائكية” التي يُعرِّفها موريس باربييه الكاتب في العلوم السياسية بأنها “الفصل بين الدين والحقائق الدنيوية”.

تم وضع الشعار الجمهوري “الحرية والمساواة والإخاء” في عام ۱۹۰۵ (وفقًا للقانون الفرنسي بشأن الفصل بين الدولة والكنيسة) لإظهار أن هذه الكنيسة مملوكة للدولة. وبدأ استعمال مصطلح “اللائكية” في أوروبا مبكرا، وتحديدا في نهاية القرن الأول الميلادي، ثم انتشر وتوسّع بعد أن أصبحت الكنيسة تتمتع بصبغة من القداسة. ولم يكن يُقصد باللائكيين آنذاك الراغبون في فصل الكنيسة عن الشؤون العامة، بل مجموعة من الأشخاص المسيحيين، المؤمنين بالمسيح المخلص لكنهم ليسوا أعضاء في التنظيم الكهنوتي المنضوي تحت لواء الإمبراطورية الباباوية.

تمارس فرنسا لائكيتها عبر آليتين رئيسيتين، أولاهما آلية الرقابة والضبط العقابي الساهرة على حراسة قيم الجمهورية وتعريف المباح والممنوع أو الحلال والحرام من منظور الدولة، والآلية الثانية هي للتوجيه الثقافي والأيديولوجي، ذلك لأن العلمانية الفرنسية لا تكتفي بإبعاد الكنيسة أو المؤسسات الدينية عن الحقل السياسي، بل تواجه الدين في معارك مجتمعية وثقافية وأيديولوجية، وتعمل على استبدال القيم العلمانية التي تصوغ الوعي الفردي والجماعي به عبر المدرسة عوضا عن الكنيسة أو المسجد.

لفرنسا تاريخ طويل مع الإسلام، تاريخ من الصراع الصريح تارة والمقنع تارة أخرى، هي فلسفة قديمة اختارتها السلطات في باريس للتعامل مع دين يُشكِّل المعطى الأهم لحضارة تقف الند للند أمام الحضارة الغربية. فنابوليون بونابارت رغم احتلاله لمصر فإنه أعلن إسلامه وسمّى نفسه محمدا في حيلة لم تنطلِ على علماء مصر، والجنرال ليوطي الذي كان يسوم المسلمين سوء العذاب في المستعمرات كان هو نفسه صاحب فكرة تمويل مسجد باريس الكبير، أكبر وأهم معلم إسلامي في فرنسا، وفي الوقت الذي كانت بلاده تكتب على قبور الجنود المسلمين الذين يُقتلون في معارك الحروب العالمية “الجندي فلان الذي لبّى نداء ربه”، كانت تقتل الآلاف المؤلفة من الجنود أنفسهم إذا ما رفعوا السلاح للمطالبة باستقلال أوطانهم.

في ضوء هذه المعطيات يجب قراءة وجود مؤسسة “إسلام فرنسا”، أهدافها وتوجّهاتها ورسائلها دينية كانت أو علمانية، كما لا يجب إغفال معطى مهم جدا هو أن أوروبا ومن بوابة أكبر قلاعها العلمانية دخلت مجالا كان علامة تجارية مسجلة باسم الأنظمة العربية، مجال التحكم في الإسلام وإلباسه لباس الوطنية لتقزيم دوره المجتمعي والسياسي. هل ينجح هذا المشروع؟ هل يفشل بسبب عدم انخراط المسلمين فيه؟ كل شيء وارد، لكن في كل الحالات يبدو أن المعركة الفكرية والحضارية بين المسلمين والغربيين دخلت منعطفا جديدا.

واما ما يحدث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من دخول في حملة إساءة للإسلام تحولت لمعركة كسر عظم، مرده لوقوعه في الكثير من الأخطاء في التقدير والتعبير، وسوء التعامل مع أزمة تتفاقم، وتستحيل إلى أزمة دبلوماسية بين باريس من جهة ودول مسلمة كثيرة، ومن بين هذه الأخطاء:

۱- في خطابه المثير للجدل نقل ماكرون الأزمة، من أزمة بين دولة ومواطنيها من معتنقي ديانة معينة، إلى أزمة دين بكل ما يحمله من قيم وأفكار وما يمثله لمليار ونصف شخص يعتنقونه. ولو قدر ماكرون أن المسلمين في فرنسا يعيشون أزمة لقيل إنه رئيس يخاطب مواطنيه، رغم ما فيه هذا الحكم من حيف وإجحاف، بل إن الرئيس الفرنسي فقز مباشرة للحديث عن الإسلام كدين ووصمه بأنه يمر بأزمة، وهذه لم يسبقه لها أي زعيم غربي سابق، فحتى الرئيس الأمريكي جورج بوش وبكل حروبه ضد دول مسلمة كان يتحدث عن محوري الشر والخير، ولم يصف أبدا الإسلام بأنه دين مأزوم، ولا حتى الرئيس ترامب، فكل مواقفه الشعبوية تسيء للمسلمين وليس للإسلام.

 

۲- وقع الرئيس الفرنسي، في حالة من التضخم غير المبرر وغير المبني على أساس معقول، وظهرت مؤشرات هذا التضخم منذ وصوله للحكم، فحاول تقديم نفسه كمنقذ للمشروع الأوروبي بعد انسحاب بريطانيا، لكنه لم يوفق، ولا هو نجح في فرض حليفه في ليبيا، وحتى دول أفريقية ظلت مجالا حيويا لفرنسا باتت الآن تخرج من قبضة باريس. وحاول ملء الفراغ في لبنان، لكن دون جدوى، في حين أن خطابا بهذه الإساءة لا يمكن أن يصدر سوى عن دولة بل إمبراطورية لها من القوة والمنعة ما يجعلها قادرة على مواجهة أي موجة غضب.

۳- الإمعان في الاستفزاز، وعدم محاولة لملمة الأزمة، ذلك أن تصريحات ماكرون عن “أزمة الإسلام” كاد أن يتلاشى صداها، لولا الحادثة الشنيعة التي أودت بحياة أستاذ في فرنسا، حينها عاد ماكرون لنفس الخطاب، وهذه المرة ربط حرية التعبير وفن الكاريكاتور بالإساءة للأديان، علما أنه هو نفسه قرّع صحفيا وأمام الملأ لنشره خبر لقاء ماكرون مع نائب عن حزب الله واعتبر الرئيس أن الأمر يمس أمن الدولة، فأين هي حرية التعبير غير المقيدة؟

۴- التعريف الفرنسي لحرية التعبير، والذي أصبح حكرا فقط على الإساءة للأديان ورموزها، في حين أن الأمر يختلف تماما في الصحافة الأنجلوفونية، التي دخلت في مواجهة مع صحيفة شارلي إيبدو والجناح اليميني من الصحافة الفرنسية، للتأكيد أن حرية التعبير لا تعني أبدا استفزاز القارئ ولا الإساءة لمعتقداته، ولا التحريض ضد أي مجموعة.

۵- الأهداف الانتخابية الواضحة لتحركات ماكرون وتصريحاته، فالرجل ومباشرة بعد ظهور استطلاعات رأي تظهر تقدم زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبين، إلا وقام باستدارة كاملة نحو الجمهور اليميني الشعبوي ليُسمعه ما يريد، فهذا رئيس لا يريد أن يرحل مع ولايته الأولى.

۶- لم يكن الرئيس الفرنسي يتوقع أن تصريحاته الموجهة بالأساس للداخل الفرنسي وللناخب في فرنسا، ستجد لها أصداء في كل أنحاء العالم، ولا أحد يعرف كيف وهو رجل الاقتصاد والمال الماهر؛ لم يدر بخلده أنه يضع مصالح بلاده الاقتصادية في خطر، جراء حملة المقاطعة التي يبدو أنها أصبحت فعلية على أرض الواقع، بدليل بيان وزارة التجارة الخارجية المطالب (وإن بصيغة الأمر) بالكف عن الدعوة لمقاطعة المنتجات الفرنسية.

 

۷- الرهان الخاطئ للرئيس الفرنسي على صراع دول عربية بعينها مع الإسلام السياسي، واعتقاده أن هذا الصراع يتيح له الهجوم على المسلمين وحتى على الإسلام بأريحية وهو ضامن لدعم هذه الدول بشكل علني، في حين أن الخلط بين الإسلام السياسي والإسلام، وضع حتى هذه الدول في حرج الدفاع عن الرئيس الفرنسي على الأقل علنيا، بل على العكس دول إسلامية كثيرة استنكرت تصريحات الرئيس الفرنسي، أيضا إعادة نشر الكاريكاتور المسيء للنبي عليه السلام.

۸- نشر الرسوم المسيئة للنبي عليه السلام على واجهة بنايات حكومية، أقحم الدولة الفرنسية كجهاز وظيفي يقوم على مبادئ العلمانية المفترض فيها الحياد تجاه جميع الأديان، في حين أنه حتى في دول ينتظر فيها اليمين الشعبوي ويقودها رؤساء شعبيون، تحافظ مؤسسات الدولة على حيادها، بل على العكس تحارب الحركات المتطرفة والمحرضة على أي دين أو أقلية. وهذا الإقحام ليس في صالح الدولة الفرنسية، التي سيمر عليها ماكرون كما مر آخرون، لكنه الآن أدخلها في معركة تسيء لها وتؤثر على وضعها العالمي والإقليمي.

۹- ساهم الرئيس الفرنسي من حيث لا يعلم، في تسليط الضوء على أزمة حقيقية يعاني منها المسلمون في فرنسا، من تحريض وعنصرية، ففي السابق كان يتم تبرير العديد من الممارسات ضد المسلمين بأنها لمواجهة التيار المتطرف، بينما يظهر تدريجيا أن “المسلم الجيد في نظر فرنسا هو الشخص غير المسلم” كما قال المفكر الفرنسي فرانسوا بورغا، ما سيعطي لمرافعات المسلمين ضد كل هذا التضييق مشروعية أكثر ودعما أكبر.

۱۰- وأخيرا تدفع تصريحات ماكرون للغوص أكثر في عمق الأزمة التي تعيشها فرنسا، فالدولة العلمانية التي سحبت الله من الدين، وجعلت من نفسها فوق أي دين، تعيش أزمة وجودية، خصوصا مع الحركية التي يعرفها أبناء المسلمين من الجيل الرابع الذين باتوا أكثر ظهورا في كل مناحي الحياة العامة الفرنسية، ومعهم تظهر هويتهم الإسلامية، وهذا ما يستفز الدولة بنموذجها العلماني الصلب الذي انتقده الفيلسوف الفرنسي إدغار موران، عندما اعتبر أن العلمانية تحولت في فرنسا من إقامة الحياد مع الدين إلى السعي للقضاء على أي شكل من أشكال الدين في الفضاء العام.

هامش:

* الموريسكيون: وهم سكان الأندلس الذين أبطنوا الإسلام وأظهروا المسيحية للحفاظ على حياتهم من محاكم التفتيش الكاثوليكية الإسبانية، وكلمة “موريسكي” هي كلمة إسبانية الأصل تعني “المسلم الصغير”.

** الأقدام السود: هم المستوطنون الفرنسيون وغيرهم من الأوروبيين الذين كانوا يعيشون في الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي، وترجع تسميتهم إلى لون الأحذية التي كانوا يرتدونها، وصل عددهم إلى مليون نسمة في الجزائر سنة ۱۹۶۰ وكانوا يُشكِّلون لوبيا قويا تحسب له الحكومة الفرنسية ألف حساب.

*** ماريان: هي رمز الجمهورية الفرنسية التي تُمثِّل مبادئها الثلاثة: “حرية، مساواة، أخوة”، هي تمثيل لأم الشعب التي تحارب من أجله وتحنو عليه وتدافع عن حقوقه. ليست شخصية حقيقية، بل شخصية خيالية ولّدها العقل الجمعي الفرنسي، واختير لها اسم “ماريان” وهو جمع ما بين اسمي “ماري” و”آن” أكثر اسمين منتشرين في فرنسا خلال مرحلة الثورة الفرنسية.

ليلا حسن

المنابع:صحف ومقالات-شفقنا

به اشتراک بگذارید :

دیدگاه

لطفا دیدگاه خودتون رو بیان کنید: