تاريخ الإفراج :

يجب أن نؤدي العبادة برغبة وشوق

يجب أن نكون واقعيين في تعاملنا مع العبادة، فنؤديها برغبة وشوق وعشق، ولا نؤديها كطقوس خاوية خالية من الأثار الروحية والمعنوية، أو كعادة اعتدناها ظاهراً دون أن نكون راغبين فيها ولا مقبلين عليها بجوارحنا وجوانحنا.

حسب موقع رهيافته ( قاعدة البيانات الشاملة للمسلمين الجدد و المبلّغين و المهتدون)رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “إِنَّ لِلْقُلُوبِ إِقْبالاً وَإِدْباراً، فَإِذا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوها عَلى النَّوافِلِ، وَإِذا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِها عَلى الْفَرائِضِ”.

كما أن للبَدَن حالات تنتابه من الراحة والتعب، والنشاط والكسل، والصحة والمرض، كذلك القلب، فتارة ينشط وأخرى يكسل.

وتارة يقبل على الله عزَّ وجَلَّ وأخرى يدبر أو تقل حيويته الروحية تبعاً لتأثُّره بعوامل عديدة فقد يتأثَّرُ بالزمان الذي قد يكون زمان ضيق أو زمان سعة، وزمان رخاء أو زمان شدة، وقد يتأثر بالمكان، فتارة يكون الشخص في مكان تسود فيه الأجواء الروحية والمعنوية العالية، وأخرى يكون في مكان تقل فيه.

وقد يتأثر بالظروف التي يجتازها من غِنىً وفقر، وصحة ومرض، وأمن وخوف، وسوى ذلك من الظروف التي قد تكون معينة على الطاعة، ومشوقة لمزيد من العبادة، وقد تكون ضاغطة عليه، ثقيلة بالهموم والغموم فتخفف من إقباله على الطاعة وشوقه إلى العبادة.

فماذا يفعل المرء في هذه الحالة، وهو يعرف أن الله فرض عليه فرائض، وحثَّه على أداء نوافل شُرِّعت لتعويض النقص الذي يطال الفرائض، ولتكون مِرقاة يرتقي بها في علاقته الروحية بالله تعالى، ولتشعل في قلبه جذوة من المعنويات العالية؟

ولا شك في أن الفرائض لا يمكن تركها بحالٍ من الأحوال، فإنها حاجات روحية ضرورية لن يستقرَّ له حال من دونها، ولذلك لا يعذره الله بتركها، ويكون تاركاً لواجب، وترك الواجب حرام، ويستلزم العقوبة، فأما النوافل فهي غير واجبة أصلا، وإنما شُرِّعَت في حالة إقبال القلب على الله تعالى، ليستثمر المَرء ذلك الأقبال في التَّرَقّي الروحي، والقرب من الله جل وعلا، فإن بعض المقامات الروحية لا يمكنه أن يبلغها إلا بالنوافل، كصلاة الليل مثلا: قال تعالى: “وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا”﴿۷۹/ الإسراء﴾.

فنافلة الليل برنامج عبادي إضافي لا يقوم إليه إلا صاحب القلب المُقبل على الله تعالى الذي يرجو القرب منه، ويطمح أن يبعثه الله المقام المحمود عنده.

وبناء على ما سبق فإن على العبد أن يلاحظ قلبه فيراعيه جيداً حتى في العبادة، فإن وجد فيه إقبالاً على العبادة فيجب أن ينشط فيها فيؤدي الفرائض ويؤدي النوافل التي يرتقي بها إلى مقامات لا يبلغها إلا بها، أما إذا وجد في قلبه إدباراً فعليه أن يقتصر على أداء الفرائض، وأَلّا يفرض على نفسه أن تؤدي النوافل، فإن العبادة لو فُرضَت على القلب مع إدباره فإنها لن تُؤَثِّر فيه إيجابيا، بل قد تترك آثاراً سلبية وقد تُكَرِّه إليه حتى العبادة الإلزامية المفروضة.

لذلك فإن الإمام أمير المؤمنين (ع) بقوله: “إِنَّ لِلْقُلُوبِ إِقْبالاً وَإِدْباراً، فَإِذا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوها عَلى النَّوافِلِ، وَإِذا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِها عَلى الْفَرائِضِ” يدعونا لأن نكون واقعيين في تعاملنا مع العبادة، فنؤديها برغبة وشوق وعشق، ولا نؤديها كطقوس خاوية خالية من الأثار الروحية والمعنوية، أو كعادة اعتدناها ظاهراً دون أن نكون راغبين فيها ولا مقبلين عليها بجوارحنا وجوانحنا، فتأتي عباداتنا بلا حِسٍّ إيماني، ولا مشاعر روحية طيبة، والعبادة بلا إحساس وشعور لا تؤتي ثمارها المرجُوَّة.

وقد جاء نفس هذا المعنى عن الإمام الرضا (ع) حيث قال: “إنَّ لِلقُلوبِ إقْبالاً وإدْباراً، ونَشَاطاً وفُتُوراً، فَإِذا أَقْبَلَتْ بَصُرَت وفَهِمَتْ، وَإِذا أَدْبَرَتْ كَلَّتْ وَمَلَّتْ، فَخُذُوْها عِنْدَ إِقْبَالِها وَنَشَاطِها، واترُكُوها عِنْدَ إِدْبارِها وَفُتُورِها”.

بقلم الکاتب والباحث في الدراسات القرآنية السيد بلال وهبي

اکنا

شارك :

آخر المشاركات