تاريخ الإفراج :

“فتح مكة”… النصر الأعظم في تاريخ الأمة الاسلامية

وفي يوم الفتح، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن يؤذن لصلاة الظهر على ظهر الكعبة، فاستعظم ذلك الحاضرون من قريش، ولم يسلموا بعد، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد ذلك عمدا لسر عظيم وحكمة بالغة

حسب موقع رهيافته ( قاعدة البيانات الشاملة للمسلمين الجدد و المبلّغين و المستبصرين) :تقرير خاص- في تاريخ الإسلام أيام مجيدة، تتطلع إليها النفوس لما فيها من دروس وعبر، وما تحتويه من زاد تستطيع الأمة إن أحسنت الأخذ به أن ترتقي، وتستعيد عزها المفقود، ومجدها التليد.

 

وفتح مكة أحد تلك الأيام التي يشهد التاريخ على عظمتها وسموها، ففي ذلك اليوم، أرسى النبي صلى الله عليه وسلم قيماً عليا، سبق بها حضارات العالم أجمع، ومن المناسب قبل أن نتحدث على تلك القيم، أن نؤكد عبقرية القائد المجاهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تلك العبقرية التي تجلت في هذا الفتح وفي مقدماته، ولذا فإن ربنا جل وعلا اعتبر الفتح من يوم صلح الحديبية الذي قبِله رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن دخل مفاوضات مع قريش للصلح، وانتهت بصلح الحديبية، والذي من أهم بنوده:

 

*هدنة بين الطرفين لمدة عشر سنوات.

*أن يرجع المسلمون إلى المدينة هذا العام، فلا يقضوا العمرة إلا في العام القادم.

 

*أن يردّ الرسول صلى الله عليه و سلم من أتى مسلما من قريش إلى مكة، و ألا ترد قريش من أتاها مرتدا من المدينة.

 

*من أراد أن يدخل عهد قريش دخل فيه، و من أراد أن يدخل في عهد محمد صلى الله عليه وسلم دخل فيه. وخالف الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الصلح، كبار أصحابه الذين كانوا يريدون دخول مكة، ولم يستسيغوا أول الأمر هذه الهدنة بهذه الشروط، لاعتقادهم أن بنودها فيها إهانة للمسلمين، فأنزل الله وقتها على رسوله صلى الله عليه وسلم: “إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً.” وقد ظهرت نتائج صلح الحديبية الإيجابية، منها:

 

* أنه أثناء هذا الصلح تفرغ الرسول صلى الله عليه وسلم لنشر الإسلام، بعد أن أمِن جانب قريش.

 

* وتفرغ المسلمون لتسوية الحساب مع يهود خيبر الذين نقضوا عهودهم التي كانت لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

* وتم دخول قبائل كثيرة إلى حلف المسلمين، وعلى رأسهم قبيلة خزاعة.

 

* وكان صلح الحديبية سببا في فتح مكة.

 

الوقائع التاريخية لغزوة الفتح.

كان فتح مكة في رمضان ۸ هجرية، وسببها أن صلح الحديبية أباح لكل قبيلة عربية أن تدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاءت، أو تدخل في عقد قريش، فارتضت بنو بكر أن تدخل في عقد قريش، وارتضت خزاعة رغم كفرها أن تدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي تلك السنة الثامنة من الهجرة، إذ لم تمر على معاهدة صلح الحديبية إلا سنتين، حتى اعتدت بنو بكر على خزاعة، فقتلت منها نحو عشرين رجلا، وأمدت قريش بني بكر بالمال والسلاح، فلما بلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم غضب غضبا شديدا، وتجهز لقتال قريش، إلا أنه لم يرد أن يخبر الناس عن وجهته، ليس خوفا من قريش، وإنما حقنا للدماء، لئلا تستعد قريش، فتستباح حرمة البلد الحرام، وتمتلئ أرجاؤه بأشلاء القتلى، فكان يريد عليه الصلاة والسلام أن يدخلها سلما دون حرب، ولكن الصحابي البدري “حاطب بن أبي بلتعة”، أرسل كتابا سرّيا إلى كفار مكة، يخبرهم فيه بتوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على أمر الكتاب، فأرسل إلى المرأة التي تحمله، بعض أصحابه ليفتشوها، فعثروا على الكتاب، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا، فقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله أما إني لمؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرءا ليس لي في القوم القرشيين من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه. فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

 

ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لعشر مضين من رمضان (۱۰ رمضان)، مثل هذا اليوم الذي نحتفل فيه بهذه الذكرى العظيمة، وفي الطريق أفطر صلى الله عليه وسلم، وأفطر الناس معه، لِما لقوا من الجهد والمشقة في سفرهم، لأن المسافة ما بين مكة والمدينة هي ۴۵۳،۹ كم، وكان عددهم حين خروجهم من المدينة عشرة آلاف، ثم انضم إليهم في الطريق عدد من قبائل العرب، وفي (مرّ الظهران)، عثر حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان واثنين معه، فأسروهم وجاؤوا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم أبو سفيان، وقال العباس- الذي لقيه الرسول في الطريق مسلما مهاجرا إلى المدينة-: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا يفتخر به، فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، ثم وصل الجيش مكة، فأعلن منادي الرسول صلى الله عليه وسلم: من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، واستثنى من ذلك خمسة عشر رجلا، عظمت جريرتهم في حق الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وهو راكب راحلته، مُنحن على الرحل، حتى لتكاد جبهته تمس قتب الراحلة شكرا لله على هذا الفتح الأكبر، ثم طاف الرسول صلى الله عليه وسلم بالبيت، وأزال ما حولها من أصنام بلغت ثلاثمائة وستين، ثم دخل الكعبة وصلى ركعتين فيها، ثم وقف على بابها، وقريش تنظر ما هو فاعل بها، فقال فيما قال ساعتئذ: «يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا؛ أخ كريم وابن أخ كريم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اليوم أقول لكم ما قال أخي يوسف من قبل: (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: ۹۲] اذهبوا فأنتم الطلقاء».

 

ثم اجتمع الناس حول الصفا ليبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فجلس إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم على الصفا، وأخذ بيعتهم على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، فبايع الرجال أولا، ثم النساء، ولم يصافح واحدة منهن، وكان فيمن بايعهن هند زوجة أبي سفيان التي أهدر الرسول صلى الله عليه وسلم دمها فيمن أهدر يوم الفتح، فلما علمها، عفا عنها بسبب بيعتها، لأن الإسلام يجُبّ ما قبله.

 

وفي يوم الفتح، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن يؤذن لصلاة الظهر على ظهر الكعبة، فاستعظم ذلك الحاضرون من قريش، ولم يسلموا بعد، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد ذلك عمدا لسر عظيم وحكمة بالغة.[كتاب السيرة النبوية دروس وعبر، مصطفى السباعي، ص۹۹ – ۱۰۲ المكتبة الشاملة الحديثة].

 

العبر والعظات من فتح مكة

إذا كان حدث فتح مكة قد مضى وولى، فإن الدروس والعبر والعظات من هذا الحدث لا تنقضي، بل تبقى الاستفادة من الحدث في كل زمان ومكان، من هذه العبر والعظات:

 

۱ – ينبغي على القائد المسلم أن يكون بعيد النظر، قادراً على استشراف ما لا يستطيعه غيره، وتلك من أهم ميزاته صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا فليقتد المقتدون، وليدرك الجميع أن القيادة فن ينبغي على المتصدر له أن يُحصّله قبل الولوج إلى ميدانه.

 

۲ – من مظاهر تلك العبقرية، للقائد المسلم، خطة فتح مكة، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخفى نيته، بل ووجهة الجيش عن أقرب المقربين إليه، وهي زوجته عائشة، وأبوها أبو بكر الصديق رضوان الله عليهم، بل إنه مارس ما نسميه خطة خداع استراتيجية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة أحد أصحابه، يسمى “أبو قتادة” إلى مكان آخر بعيداً عن مكة، يسمى “بطن إضم”، وذلك حتى تنقل الجواسيس هذا، فلا يعلم أحد شيئاً عن وجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحقيقية.

 

۳ – منذ أفصح صلى الله عليه وسلم عن وجهته، وهو يبث برسائل السلم والعفو بين أصحابه، ليؤكد أنهم فاتحون وليسوا غزاة، ناشرون للإسلام، وليسوا متشوقين للدماء، عائدون إلى مكة يحملون الخير، وليسوا منتقمين لثأر شخصي عند كل منهم. ولذلك عهد عليه الصلاة والسلام إلى قادته حين أمرهم أن يدخلوا مكة، ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم. وبقي النبي صلى الله عليه وسلم مصراً على نياته السلمية بعد الفتح أيضاً، فقد أصدر العفو العام عن قريش قائلاً: “اذهبوا فأنتم الطلقاء“. ولذا غضب صلوات الله وسلامه عليه، غضباً شديداً حينما قتلت “خزاعة” وهي إحدى القبائل المتحالفة مع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من قبيلة تسمى “هذيل” على سبيل ثأر كان بينهم، مما أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعله يشتد على خزاعة كثيراً حتى قام خطيباً، وأعلن عدم رضائه عن هذا الفعل تحت أي مسمى، بل ودفع إلى هذيل دية الرجل.

 

۴ – إن القيم لا تتجزأ، وإن دم الواحد كدم الأمة كلها، وإن أصحاب القيم الحقيقية لا تضيع لديهم الحقوق مهما كان أصحابها، حتى لو اختلفوا معهم ديناً وعرقاً وجنسية.

 

۵ – وهذا موقف آخر يدل على إعلاء النبي صلى الله عليه وسلم لتلك القيم الإنسانية التي أقرها الإسلام ورغب فيها، فها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته، يطلب منه أن يعطيه مفتاح الكعبة، ليجمع بنو هاشم شرف الحجابة مع السقاية، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرفض ذلك، مع أن مفتاح الكعبة شرف لا يدانيه شرف عند العرب، ويبعث إلى عثمان بن طلحة، وهو من كان من قديم في الجاهلية، هو وقومه يتولون مفاتيح الكعبة، ويعطيه المفتاح قائلاً كما يروي ابن هشام: “هاكَ مِفْتَاحَك يَا عُثْمَانُ، الْيَوْمُ يَوْمُ بِرّ وَوَفَاءٍ“.

 

دخول النبي صلى الله عليه وآله مكّة المكرّمة

أمر رسول الله صلى الله عليه وآله الزبير بن العوام أن يدخل مكّة من أعلاها، فيغرز رايته بالحجون، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكّة، ونهى عن القتال إلّا لمن قاتلهم، ودخل هو صلى الله عليه وآله من أعلى مكّة، وكانت الراية مع سعد بن عبادة. وقد غلظ سعد بن عبادة على القوم، وأظهر ما في نفسه من الحنق عليهم، فدخل وهو يقول:

 

اليومُ يومُ الملحمة ** اليوم تُسبى الحُرمة.

وهو يعني: إنّ هذا اليوم سوف نترك فيه أجسادكم أشلاء متقطّعة وتسبى حرمكم ونساؤكم. فسمعها العباس فقال للنبي صلى الله عليه وآله: أما تسمع يا رسول الله ما يقول سعد؟ وإنّي لا آمن أن يكون له في قريش صولة. فأمر النبيّ صلى الله عليه وآله عليّاً أن يأخذ الراية ويقول:

 

اليوم يوم المَرحَمة **اليوم تُحمى الحُرمة.

ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكّة على ناقته القصواء واضعاً رأسه الشريف على الرحل؛ تواضعاً لله تعالى، ثمّ قال: اللّهمّ أنّ العيش عيش الآخرة. فكان فتح من دون قتال، دون أن يحرك غمد، أو يشهر سيف، أو تجرّد قناة، فقط ( لا إله ألا الله ) سلاح أمضى من أي سلاح.. وتدخل مكّة إلى أحضان الإسلام. إنّها لحظة النصر التي أسست لإيمان سوف يبقى حتى قيام الساعة. محمد صلى الله عليه وآله في قلب مكّة، ومعه جيش من أولئك الحفاة الذين اضطهدوا أيّما اضطهاد. [۱۱]

 

خطبته صلى الله عليه وآله في فتح مكة

عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وآله مكة يوم فتحها، فتح باب الكعبة فأمر بصور في الكعبة فطمست، فأخذ بعضادتي الباب فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ماذا تقولون وماذا تظنون ؟ قالوا: نظن خيراً و نقول خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت ! قال: فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾[۱۲]ألا إنّ الله قد حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه للقبر والبيوت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إلا الإذخر.[۱۳] ودخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله البيت وأخذ بعضادتي الباب ثم قال: لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده… ألا إن كل دم ومال ومأثرة كان في الجاهلية فإنه موضوع تحت قدمي، إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما، ألا إن مكة محرمة بتحريم الله، لم تحل لأحد كان قبلي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فهي محرمة إلى أن تقوم الساعة… ثم قال: ألا لبئس جيران النبي كنتم، لقد كذبتم وطردتم، وأخرجتم وفللتم، ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني، فاذهبوا فأنتم الطلقاء.[۱۴] فخرج القوم كأنما أنشروا من القبور، ودخلوا في الإسلام.

 

دخول النبي صلى الله عليه وآله إلى المسجد الحرام

أقبل صلى الله عليه وآله إلى الكعبة فاستلم الحجر الأسود، وطاف بالبيت على راحلته، وعلى الكعبة أصنام مشددة بالرصاص. وفي رواية حولها ثلاثمائة وستون صنماً، لكلّ حي من أحياء العرب صنم، فجعل كلّما يمرّ بصنمٍ منها يشير إليه بقضيب في يده، ويقول: ﴿جَاء الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾،[۱۵] فما أشار لصنم من ناحية وجهه إلّا وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلّا وقع لوجهه حتّى مرّ عليها كلّها، وكان أعظمها هُبل. فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك:

 

وفي الأصنام معتبر وعلم لمن يرجو الثواب أو العقابا

وكان المقام لاصقاً بالكعبة، فصلّى خلفه ركعتين، ثمّ أمر به فوضع في مكانه.[۱۶] ثم أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يصلي في بيت الله ركعتين فأبى عثمان بن طلحة العبدي فتح باب البيت وقال: لو علمت أنك رسول الله لم أمنعك، فلوى الإمام علي بن أبي طالبعليه السلام يده وأخذ المفتاح من يده وفتح الباب، ودخل النبي صلى الله عليه وآله وصلّى ركعتين، فلما خرج أراد العباس من النبي صلى الله عليه وآله أن يعطيه مفتاح البيت، فنزلت آية: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾،[۱۷] فأمر النبي صلى الله عليه وآله أن يردّ المفتاح إلى عثمان ويُعتذر إليه فقال عثمان لعلي: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت برفق، فقال له علي: لقد أنزل الله في شأنك وتلى الآية، فأسلم عثمان.[۱۸]

 

عفو النبي صلى الله عليه وآله عن أهل مكّة

أعلن النبي صلى الله عليه وآله عفوه العام عن قريش وعن أولئك الأعداء الذين حاربوه وأخرجوه من دياره، وخططوا لقتله. فخاطبهم بقلبه الكبير، وروحه الهادية، وخلقه العظيم، وهدفه الواسع لاستيعاب البشرية، بقوله: ما تظنون وما أنتم قائلون. قال سهيل : نظن خيرا ونقول خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. ثم صلى الله عليه وآله أصدر حكماً بإطلاق سراح أهل مكة جميعاً رغم ما صدر منهم إزاءه ثم قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن. ليفتح أمامهم أبواب التوبة ويهيّئ لهم الأجواء النفسية للتفاعل مع كلمة التوحيد، ومبادئ الهدى، وليشعرهم بعفو الإسلام وعظيم خلقه. وهكذا طوقهم رسول الله بالفضل والمن، وأطلق سراحهم، فحملوا اسم ( الطلقاء ) كما حملوا اسما آخر هو: (مسلمة الفتح).[۱۹]

 

مبايعة قريش للنبي صلى الله عليه واله

وجلس رسول الله صلى الله عليه واله على الصفا وقيل في المسجد يبايع الناس الرجال والنساء فيبايع الرجال على الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وعلى السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا ودخل الناس في دين الله أفواجا. ولما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء فكانت بيعته لهن على نحوين كان يوضع بين يديه إناء فيه ماء فإذا أخذ عليهن وأعطينه غمس يده في الإناء ثم أخرجها فغمسن النساء أيديهن فيه وبعد ذلك كان يبايعهن بالكلام وحده فهذا مما ساوى فيه الإسلام بين الرجال والنساء في الأمور العامة المهمة وهي البيعة فقرأ عليهن ما أنزل الله من شروط البيعة عليهن وقيل وضع على يده ثوبا فبايعهن على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف لا يقتلن أولادهن بوأد ولا إسقاط ولا يأتين ببهتان يفترينه بكذب يكذبنه في مولود بين أيديهن وأرجلهن فلا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله أقام بمكة لمّا افتتحها خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين ركعتين أي يقصر الصلاة لأنه لم ينو الإقامة وروى الطبري بسنده قال: أقام رسول الله ص بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة.[۲۰]

المنابع صحف ومواقع

شارك :

آخر المشاركات