تاريخ الإفراج :

حين سقطت دمشق على يد تيمورلنك

كان تيمورلنك يُؤْمِن أنه ما دام يُوجد في السماء إلهٌ واحد، فيجب أن يُوجد في الأرض ملكٌ واحد؛ فكان يَحْلُم بالسيطرة على العالم!

حسب موقع رهيافته ( قاعدة البيانات الشاملة للمسلمين الجدد و المبلّغين و المستبصرين)يقف التاريخ كثيرا مع حادثة سقوط بغداد على يد المغول في القرن السابع الهجري، وهي الفاجعة التي كان لها أثرها المباشر على الحضارة الإسلامية، وأيضا على التغيير الثقافي الذي حدث حين ذاك، بل والتغير الديمغرافي بظهور الهجرات الآسيوية من الداخل إلى منطقة الشرق الأوسط. لكننا لا نكاد نقف مع حادثة تشبه في فجاعتها ما حدث مع بغداد العباسية.

تلك الحادثة كانت سقوط دمشق على يد تيمورلنك ذلك القائد العسكري المغولي الذي استطاع أن يعيد لملمة دولة المغول، وينطلق من سمرقند إلى الهند وإيران ووسط آسيا وجنوب الأناضول والعراق حتى اصطدم بقوة مصر العسكرية في زمن السلطان المملوكي الظاهر برقوق المؤسس الأول لدولة المماليك الجراكسة في مصر والشام.

كانت حلب مدينة عامرة مزدهرة في العصر الإسلامي الوسيط، فقد كانت إحدى أبرز حواضر العالم الإسلامي آنئذ، منارة من منارات العلوم والمعارف والآداب، فلم تزل تُبنى فيها المدارس (الكليات) في مختلف التخصصات العلمية حتى بلغت نحو ثلاثمائة مدرسة، هذا فضلاً عن الحلقات العلمية التي كانت تُعقد في المساجد ودور الحديث وغيرها من الأماكن التي كانت تتفجّر من خلالها ينابيع العلوم من منطوق ومفهوم . على أنه في عام ۶۵۶هـ/۱۲۵۸م احتل المغول بغداد، وأقاموا لهم دولة في العراق، ثم اتجهوا نحو بلاد الشام للسيطرة عليها وساعدهم في ذلك اضطراب الأوضاع فيها بسبب صراع الجبهة الإسلامية بين الأيوبيين أنفسهم وبين المماليك.

وفي بداية سنة ۶۵۸هـ «تواترت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام، إذ دخل جيش المغول صحبة ملكهم هولاكو، وجازوا الفرات على جسور عملوها، ووصلوا إلى حلب في ثاني صفر من هذه السنة، فحاصروها سبعة أيام، ثم افتتحوها بالأمان، وغدروا بهم، فقتلوا من أهلها خلقًا لا يعلمهم إلا الله عز وجل، ونهبوا الأموال وسبوا النساء والأطفال، وجرى عليهم قريب مما جرى على أهل بغداد، فجاسوا خلال الديار، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون، فإنا لله وإنا إليه راجعون».

 

مآذن من الرؤوس المقطعة!

بعد قرن ونيف من هذه الأحداث يتكرر الأمر عينه، إذ يظهر الخطر المغولي من جديد، وهذه المرة مع قدوم تيمورلنك وجيوشه الجرّارة من وسط آسيا إلى العراق ثم إلى جنوب الأناضول ومن ثم إلى الشام وعلى رأسها حلب، وفي حلب يختلف القادة العسكريون من المماليك في وضع خطة عسكرية لقتال المغول، فمنهم من أشار بقتالهم داخل حلب، ومنهم من أشار بقتالهم خارجها، واستقر رأيهم في نهاية المطاف على القتال خارج المدينة.

وفي يوم السبت ۱۱ ربيع الأول ۸۰۳هـ «زحف تمرلنك بجيوشه وفِيَلته، فولّى المسلمون نحو المدينة وازدحموا في الأبواب، ومات منهم خلق عظيم، والعدو وراءهم يقتل ويأسر، وأخذ تمرلنك حلب عنوة بالسيف»[۴]. دخلها جيش تيمور؛ فإذا هم ينهبون الأموال ويحرقون المباني ويخربونها، ويقتلون الكبار والصغار، ويفتضّون الأبكار، ويأخذون المرأة ومعها ولدها الصغير على يدها فيُلقونه من يدها ويفسقون بها، فلجأ النساء عند ذلك إلى الجامع الكبير ظنًا منهنّ أن هذا يقيهنّ من أيدي الكفرة، وصارت المرأة تُطلي وجهها بطين أو بشيء يشوّه محاسنها، فيأتي ذلك العلج إليها ويغسل وجهها ويتناولها ويتمسح بالأوراق الشريفة، ودام هذا الحال من يوم السبت إلى يوم الثلاثاء».

لقد كان من هول المجزرة التي نزلت بحلب أن بعض أهلها رووا فيما كتبه بعض المؤرخين: «أنه شاهد بظاهر (خارج) حلب قد بُني شبه المآذن من رؤوس الرجال مرتفعة البناء، دورها نيّف وعشرون ذراعًا، وعلوّها في الهواء نحو عشرة أذرع بارزة، وجوهها تسفي عليها الرياح، وعدّتها عشرة».

نزلت هذه الأخبار على المسلمين كالصاعقة، وورد الخبر من رجلين تمكنا من الهرب من حلب إلى دمشق، «وقالا معاشر المسلمين، الفرار مما لا يطاق، من سنن المرسلين، من يقدر على هذا، فيطلب لنفسه طريق النجا، ومن أطاق أن يشمر ذيله، فلا يبيتن في دمشق ليله، ولا يغالط نفسه بالمداهنة، فليس الخبر كالمعاينة فتفرقت الآراء، واختلفت الأهواء، وماج أمر الناس موجًا»[۷].

شرذمة إسلامية نتيجتها الفشل!

كان السلطان العثماني بايزيد الأول قد استنجد حين قدم المغول بالمماليك لإعادة إحياء الجبهة الإسلامية الموحدة التي كانت قد أُنشئت لمواجهة الغزو التيموري قبل ذلك بسنوات قليلة في عصر السلطان الظاهر برقوق، لكن المماليك تجاهلوه، ولم يردوا على رسالته الاستغاثية؛ لأن بايزيد استغل وفاة السلطان برقوق فتوسّع على حساب المماليك في جنوب الأناضول؛ حيث استولى على نيابتي الأبلستين وملَطية وكانتا تابعتين للسلطنة المملوكية، وكان ردّ كبار الأمراء في مصر على تلك الرسالة: «الآن صار صاحبنا، وعندما مات أستاذنا الملك الظاهر برقوق مشى على بلادنا، وأخذ ملطية من عملنا، فليس هو لنا بصاحب، يقاتل هو عن بلاده، ونحن نقاتل عن بلادنا ورعيتنا، وكتب له عن السلطان بمعنى هذا اللفظ».

 

والحق أن المماليك فوّتوا على أنفسهم دعمًا كان مطلوبًا بشدة في تلك الأزمة العصيبة التي كانت تتطلبُ الوحدة، فإنهم إذا استغلوا يد العثمانيين الممدودة لكان فعلهم ذاك صائبًا؛ فلربما تجنبوا استيلاء تيمور على الشام، ولربما تجنّب بايزيد الهزيمة والأسر [۹]، وهذا ما حكاه أحد كبار الأمراء المماليك الأسرى لدى تيمور، ممّن قربه وعفا عنه بعد ذلك: «قال لي تيمورلنك ما معناه: إنه لقي في عمره عساكر كثيرة وحاربها، لم ينظر فيها مثل عسكرين: عسكر مصر وعسكر ابن عثمان المذكور، غير أن عسكر مصر كان عسكرًا عظيمًا ليس له مَن يقوم بتدبيره لصغر سن الملك الناصر فرج، وعدم معرفة من كان حوله من الأمراء بالحروب، وعسكر ابن عثمان المذكور، غير أنه كان أبو يزيد  صاحب رأي وتدبير وإقدام، لكنه لم يكن له من العساكر من يقوم بنصرته».

ولهذا علّق المؤرخ النابه ابن تغري بردي على ذلك الدرس البليغ بقوله: «ولهذا قلتُ: إن المصلحة كانت تقتضي الصلح مع أبي يزيد بن عثمان المذكور، فإنه كان يصيّر للعساكر المصرية من يدبّرها، ويصيّر لابن عثمان المذكور عساكر مصر مع عساكره عونًا، فكان تيمور لا يقوى على مدافعتهم، فإن كلاً من العسكرين كان يقوى دفعه لولا ما ذكرناه»[۱۲]. فالوحدة وتبادل الخبرات العسكرية والاستخبارية بين العثمانيين والمماليك كان سيحول دون سقوط الأراضي الإسلامية في يد المغول التيموريين.

حين استعد تيمورلنك للخروج من حلب أمر جنوده بالخروج إلى دمشق، ولكن قبل ذلك أحرق المدينة، ودمّر قلعتها، وهدم أسوارها، وصارت خرابًا كأن لم تغنَ بالأمس .

أما من نجوا، فحين رجعوا إلى المدينة واقتربوا منها «والنار تضرب في أرجائها، وبعد ثلاثة أيام لم يبقَ من التتر أحد، ونزلنا إلى بيوتنا بالمدينة فاستوحشنا منها، ولم يقدر أحد منا على الإقامة ببيته من النّتن والوحشة، ولم يمكن السلوك في الأزقة من ذلك». بل إن الجامع الكبير –وهو أكبر جوامع حلب حينها- كانت القتلى فيه مكدّسة من المنبر إلى صحنه، «والناس يمشون على القتلى» كما وصف أحد المؤرخين الذين عاينوا هذه المأساة الحلبية في القرن التاسع الهجري.

وهكذا كُتب على حلب، المدينة المفتاح لبلاد الشام بل لكل الشرق الأوسط من تركيا إلى اليمن، أن تكون موطئ الغزاة والمجرمين ومطمعهم على مر التاريخ، لكن هذا التاريخ يخبرنا أن المدينة كانت تسترجع عافيتها ورجالاتها وعلماءها بصورة أقوى كلما مرّت بها المحن، فقد انجلى الغاصبون وبقيت حلب!.

لكن ارتقاء شاب صغير السن لم يكن له أي تجربة أو خبرة سياسية وعسكرية لسدة الحكم بعد وفاة السلطان برقوق سنة ۸۰۱هـ غيّر من المعادلة تغييرا جذريا، هذا الشاب الأهوج كان السلطان فرج بن برقوق الذي قسّم السياسة المملوكية على نفسها، وأدخلها في حروب أهلية أعادت الأمل لنفس تيمورلنك لغزو الشام والأناضول الجنوبي بعدما كاد يفقده بسبب قوة وذكاء السلطان برقوق.

فما طبيعة شخصية تيمورلنك، وكيف كانت نشأته وأطماعه في المنطقة العربية، وكيف تمكنت سياسة السلطان المملوكي الظاهر برقوق من صدّ تقدمه مدة حياته؟

 

من هو تيمورلنك؟

كان تيمورلنك (۷۳۶ – ۸۰۷هـ/۱۳۳۶- ۱۴۰۵م) من سلالة أحد وزراء المغول، وكان مولده بإحدى قرى سمرقند في وسط آسيا، يعود نسبه إلى أحد القبائل المغولية القديمة التي كانت تدين بالطاعة لجنكيزخان وأولاده، لُقّب تيمور بالأعرج وتعني “لنك”، لعرج وشلل كان في قدمه، ورغم تلك الإعاقة تميز منذ نشأته الأولى بالشجاعة والجرأة وحب المغامرة، ويروي تيمور عن نفسه قائلا: “منذ كنت في الثانية عشرة من عمري سافرت عبر البلدان وقاتلت المصاعب وعملت المغامرات وقهرت الأعداء، وواجهت أعمال العصيان، وصرت معتادا على لغة عدم الطاعة، وتصديت لهم بالتغافل والتحمل، وخاطرت بنفسي في ساعة المخاطر إلى أن تمكنت أخيرا من قهر الولايات والممالك، وأسست المجد لاسمي”.

التحق تيمور بخدمة حاكم سمرقند وهو أحد خانات المغول، وتدرج في المراتب السياسية والعسكرية حتى تمكن من إخضاع سمرقند لنفوذه وحكمه، وبدأ في التوسع لدولته الجديدة فضم خوارزم وهراة وسستان سنة ۷۸۵هـ، وكذلك شمالي فارس بعدها بسنة، ثم أذربيجان وجورجيا بين عامي ۷۸۸ و۷۹۰هـ، وبلاد مغول القفجاق المعروفة ببلاد الدشت الواقعة على جانبي حوض نهر الفولجا جنوب روسيا اليوم، بل قاد تيمور حملة عسكرية على روسيا ذاتها سنة ۷۹۷هـ، ثم تحرّك نحو العراق وأطراف الدولة المملوكية في الشام وجنوب والأناضول.

كان تيمور ذا شخصية قوية أخاذة، ظهرت عليه علامات الزعامة والسلطنة منذ صغره، حيث كان شديد الإيمان بنفسه وقوته، ويقارنه المؤرخ النمساوي فامبري من حيث طموحه الذي لم يكن له حدود، وعبقريته الحربية، وقوة إرادته بقيصر، والإسكندر المقدوني، وجنكيزخان، ويضيف قائلا: “لولا ما كان له من عبقرية عسكرية لا تنكر إلى جانب مواهبه الشخصية العالية ما بلغ درجة غزاة العالم، ويذكر من أقوال تيمور في الشخصية: أن الحاكم الذي يهاب الناس سوطه أكثر من شخصيته غير جدير بمنصبه. ويؤكد هذا بعض المؤرخين المسلمين مثل شمس الدين السخاوي الذي قال: إن تيمور كانت هيبته لا تُدانى حيث كان يسلك الجد مع القريب والبعيد ولا يحب المزاح واللهو والكذب، وكان نقش خاتمه: راستي روستي؛ أي الصدق منجاة.

 

التوحّد لمواجهة الخطر التيموري

جاءت أخبار تيمورلنك العسكرية وفتوحاته أول مرة إلى مسامع السلطان الظاهر برقوق في القاهرة سنة ۷۸۸هـ/۱۳۸۶م على يد سفير من أمير ماردين جنوب الأناضول جاء فيها: “بأن أحد التتار الجغطاوية يُقال له تيمورلِنك قد استولى على البلاد، ووصلت أوائل جيوشه إلى تبريز وخرّبتها”، وأرسل الخان أحمد بن أويس الجلائري أمير العراق رسالة إلى القاهرة تتضمن التحذير ذاته من خطر تيمورلنك وضرورة التوحد لمواجهته.

ومع ذلك امتد التوسّع التيموري شرقا، فوصل إلى مدينة الرُّها (أورفة الآن في جنوب تركيا) سنة ۷۸۹هـ وخرّبها، واستطاع تيمورلنك هزيمة أمير التركمان قره محمد أمير أذربيجان، ثم تقدمت القوات التيمورية إلى مدينة مَلَطْية (وسط تركيا اليوم) المدينة التي كانت تخضع للسلطنة المملوكية في القاهرة.

ثم أرسل تيمورلنك رسالة شديدة اللهجة إلى أمير سيواس وقيصرية في وسط الأناضول القاضي برهان الدين أحمد أمره فيها بإعلان الخضوع للدولة التيمورية، وضرب السكة “العُملة” باسمه، فأمر القاضي برهان الدين بضرب رقاب سفراء تيمورلنك، وأرسل قسما منها إلى السلطان العثماني بايزيد الأول في عاصمته بورصة، وإلى السلطان برقوق في عاصمته القاهرة يطلب منهما النجدة لمساعدته، وكان مما جاء في رسالته الاستغاثية: “اعلموا أني جاركما، ودياري دياركما، وأنا ذرة من غباركما، وقطرة من بحاركما… أين لي مقاومته، وأنّى يتيسـر لي مصادمته؟ وقد سمعتُم أحواله، وعرفتم مشاهده وأفعاله”.

وافق بايزيد على إمداد أمير سيواس وقيصارية بمساعدة عسكرية عاجلة، وكذلك فعل برقوق؛ لأن الخطر التيموري الذي دخل إلى أعماق الأناضول كان يهدد الدولتين العثمانية والمملوكية على السواء، فخرجت حملة عسكرية مملوكية “تجريدة” من القاهرة سنة ۷۸۹هـ/۱۳۸۷م وتوجّهت إلى حلب، فدُعّمت بفرقة تركمانية من إمارة الشاة السوداء شمال العراق التي كانت موالية للمماليك حينذاك ومنها شرقا إلى ديار بكر، ولقيت الحملة المملوكية في طريقها بعض فرق الجيش التيموري التي كانت تتجول في تلك المناطق، واستطاعت هذه الحملة أن تنزل الهزيمة بهؤلاء المغول، بل استطاعت أسر واحد من أهم قادة تيمورلنك وهو القائد العسكري أطلاميش، فجاءت به إلى القاهرة سنة ۷۹۰هـ/۱۳۸۸م في أغلاله، الأمر الذي جعل السلطان برقوق يحتفل بهذا النصر العسكري المهم .

 

الحلف العسكري المشترك

أمام ذلك الخطري العسكري التيموري، أنشأ السلطان برقوق حلفا عسكريا إسلاميا موحدا بقيادة السلطنة المملوكية مع كل من العثمانيين في وسط وغرب الأناضول والتركمان في جنوب وشرق الأناضول ومغول القفجاق جنوب روسيا، والواقع أن برقوق كان في غاية السـرور من هذه الجبهة الإسلامية القوية، لكنه في قرارة نفسه كان أكثر خشية من نمو قوة العثمانيين عن الخطر التيموري، ولكي يوضّح عطفه على أعداء تيمور، رحّب برقوق بالتجاء الخان أحمد بن أويس الجلائري صاحب بغداد في القاهرة، وأكرمه، وتزوج من ابنة أخيه.

كان سقوط بغداد في يد تيمورلنك سنة ۷۹۵هـ كارثة مزعجة للسلطان برقوق في القاهرة؛ لأن تيمور بسيطرته على العراق، ووجود قواعد عسكرية ثابتة لقواته في كل من ديار بكر وماردين في جنوب الأناضول وجنوب شرق الأناضول وغيرها تصبح معه الدولة المملوكية في خطر مباشر أمام تيمورلنك، وأنها بهذه القواعد تصبح الهدف التالي مباشرة، وكان ظن السلطان برقوق في محله، حيث أرسل تيمورلنك رسالة قوية إلى برقوق يطالبه فيها بالخضوع وإعلان تبعية مصر والشام، وكان مما جاء في تلك الرسالة: “فالويل كلّ الويل لمن لم يمتثل أمورنا فإنا خرّبنا البلاد، وأهلكنا العباد، وأظهرنا في الأرض الفساد، قلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، خيولُنا سوابق، ورماحنا خوارق، ومُلكنا لا يُرام، وجارنا لا يُضام، فإن أنتم قبلتم شرطنا، وأصلحتم أمرنا، كان لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن أنتم خالفتم وأبيتم، وعلى بغيكم تماديتم، فلا تلومُن إلا أنفسكم”.

لم يستسلم برقوق لهذه الحرب النفسية، وأرسل رسالة تبدو منها المنطقية والعقلانية، ويتضح فيها ثبات موقف برقوق العسكري، بل وتستهزئ بمنطق تيمورلنك، جاء فيها: “ومن العجب العجاب تهديد الليوث باللتوت، والسباع بالضباع، والكماة بالكراع، نحن خيولنا بحرية، وهممنا علية، والقناة شديدة المضارب، ذكرها في المشارق والمغارب، إن قتلناكم نعم البضاعة، وإن قتلتمونا بيننا وبين الجنة ساعة”.

ولم يكتف السلطان برقوق بهذه الرسالة، حيث خرج بنفسه في العام التالي سنة ۷۹۸هـ/۱۳۹۶م على رأس حملة عسكرية لإعادة السلطان أحمد بن أويس الجلائري أميرا على بغداد، ومحاربة تيمور، وظل برقوق في حلب بضعة أشهر، ولما عاد تيمور إلى بلاده، عاد برقوق بدوره إلى القاهرة، فتأجل الصدام العسكري المرتقب بين المماليك وتيمور، وفي تلك الأثناء توفي برقوق سنة ۸۰۱هـ، الأمر الذي أدخل السعادة والسرور على تيمورلنك كثيرا، وكان منشغلا آنذاك بإخضاع الهند، وهذا ما يكشفه ابن عربشاه (ت۸۵۴هـ) بقوله: “وفد عليه المبشّر من جانب الشام، أن القاضي برهان الدين أحمد السيواسي (أمير قيصارية وسيواس) والملك الظاهر أبا سعيد برقوق انتقلا إلى دار السلام، فسُرَّ بذلك وانشرح، وكاد أن يطير إلى جهة الشام من الفرح، فنجز بسـرعة أمور الهند، ونقل إلى مملكته من فيها من العساكر والجند”.

 

أما حالة السلطنة المملوكية في مصر والشام بعد وفاة السلطان برقوق الذي كان حائط الصد المنيع عسكريا وسياسيا أمام تيمورلنك في المنطقة العربية، وصعود نجله عديم الخبرة السلطان فرج إلى سدة الحكم، الذي أسهمت سياسته الطائشة على المستويين الداخلي والإقليمي في فتح المجال أمام الغزو الخارجي التيموري في بلاد الشام، فهي ما فجرت المأساة التي حدثت في دمشق منذ سبعة قرون خلت!

 

أبشع مجازره خلال نصف قرن

كان تيمورلنك يُؤْمِن أنه ما دام يُوجد في السماء إلهٌ واحد، فيجب أن يُوجد في الأرض ملكٌ واحد؛ فكان يَحْلُم بالسيطرة على العالم!

قام تيمور بتنظيم جيش ضخم ، وبدأ يتطلع إلى بسط نفوذه، فاتجه إلى خوارزم، وغزاها أربع مرات، بعث ابنه ميران شاه الى إقليم خراسان، وكان في الرابعة عشرة من عمره، فنجح في السيطرة على الاقليم كله، وبحستان وأفغانستان، ثم اتجه إلى مازندران، فاستسلمت دون قتال، ثم انطلقت جيوش تيمورلنك تفتح أذربيجان، وتستولي على إقليم فارس، وتُغِير على أصفهان التي كانت قد ثارت على نوابه، وبلغ عدد القتلى فيها سبعين ألفًا، أقام تيمورلنك من جماجمهم عدة مآذن.

ثم لما سمع بموت فيروز شاه ملك الهند من غير ولد وحصول اضطرابات بعده، استغل فترة الضعف هذه، وعزم على غزو الهند  واحتل “دلهي” عاصمة دولة “آل تغلق”، وقام بتدميرها وتخريبها. وبلغ من بشاعة التدمير أنها لم تنهض مما حلَّ بها إلا بعد قرن ونصف القرن من الزمان.

 

حملة السنوات السبع

ثم بدأ ما سمي بحملة السنوات السبع؛ حيث بدأ “تيمورلنك” غزواته باكتساح قراباغ بين أرمينيا وأذربيجان فقتل وسبى. ثم توجه إلى تفليس عاصمة الكرج (بالقوقاز) ونهبها ثم توجه إلى “سيواس” وقبض على مقاتلتها وهم ثلاثة آلاف نفر، فحفر لهم سرداباً وألقاهم فيه وطمهم بالتراب، ثم وضع السيف في أهل البلد وأخربها حتى محا رسومها.

ثم سار تيمور إلى “عينتاب”  فغلب أهلها، واتجه إلى حلب، فسقطت بسبب رفض مماليك مصر مساعدة أهل الشام نتيجة صراعهم على الحكم. وبلغ عدد القتلى فيها عشرين ألفاً والأسرى أكثر من ثلاثمئة ألف.

وبعد عمليات النهب والحرق والسبي والتخريب التي قام بها تيمورلنك وجيشه اتجه إلى حماة والسلمية، ولم يكن حظهما بأحسن حال من حلب، وواصل زحفه إلى دمشق التي بذل أهلها جهودًا مستميتة في الدفاع عن مدينتهم، لكن ذلك لم يكن كافياً لمواجهة جيش جرار يقوده قائد محنك، فاضطروا إلى تسليم دمشق. ولمَّا دخل تيمورلنك المدينة أشعل فيها النار ثلاثة أيام حتى أتت على ما فيها، وأصبحت أطلالاً. وبعد أن أقام بها ثمانين يوماً، رحل عنها مصطحبًا أفضل علمائها وأمهر صُناعها، واتجه إلى طرابلس وبعلبك فدمرهما. وعند مروره على حلب أحرقها مرة ثانية وهدم أبراجها وقلعتها. ثم دمر ماردين.

واتجه تيمورلنك بعد ذلك إلى بغداد، وكانت تحت حكم الدولة الجلائرية؛ فهاجمها هجومًا شديدًا، ودمر أسوارها، وأحرق بيوتها، وأوقع القتل بعشرات الآلاف من أهلها، ولم تستطع المدينة المنكوبة المقاومة فسقطت تحت وطأة الهجوم الكاسح في أيدي تيمورلنك. وألزم جميع من معه أن يأتيه كل واحد منهم برأسين من رؤوس أهل بغداد. فكانت عدة من قتل في هذا اليوم من أهل بغداد تقريباً مئة ألف إنسان. وهذا سوى من قتل في أيام الحصار، وسوى من قتل في يوم دخول تيمور إلى بغداد، وسوى من ألقى نفسه في دجلة فغرق، وهو أكثر من ذلك.

ولم تُشبِع هذه الانتصارات طموح تيمورلنك الجامح وإسرافه في الغزو وشغفه بفتح البلاد والمدن، فانطلق نحو آسيا الصغرى فاقتحم “سيواس” والأناضول، واصطدم بالدولة العثمانية الفتيَّة.

واستعد بايزيد لملاقاة الغازي الجامح الذي تقدم بجيش جرار قوامه ۳۰۰ ألف جندي، وبعد أن استولى على سيواس التقى بالجيش العثماني بقيادة بايزيد الأول في معركة هائلة عُرفت باسم “معركة أنقرة” في (۱۹ ذي الحجة ۸۰۴ هـ = ۲۰ يوليو ۱۴۰۲ م)، وانهزم بايزيد هزيمة ساحقة، ووقع في الأسر هو وأحد أبنائه، ولم يتحمل السلطان العثماني ذل الأسر فمات كمدًا في (۱۵ شعبان ۸۰۵ هـ = ۱۰ مارس ۱۴۰۳م)، في مدينة “أمد شهر”، حيث كان تيمورلنك عائدًا بأسراه إلى عاصمته سمرقند.

ولم يكد يستقر في سمرقند حتى أعد العدة لغزو الصين في خريف (۸۰۷ هـ = ۱۴۰۴م)، وكان الجو شديد البرودة حين خرج لغزوته الأخيرة، وعانى جيشه قسوة البرد والثلج، ولم تتحمل صحته هذا الجو القارس، فأصيب بالحمى التي أودت بحياته في (۱۷ من شعبان ۸۰۷ هـ = ۱۸ من فبراير ۱۴۰۵م)، بعد أن دانت له البلاد من “دلهي” إلى “دمشق”، ومن “بحيرة آرال” إلى “الخليج العربي”، وبعد وفاته نقل جثمانه إلى “سمرقند” حيث دفن هناك في ضريحه المعروف بـ “كور أمير”، أي “مقبرة الأمير”.

 

تيمورلنك في التاريخ

صوّرت المصادر العربية والفارسية شخصيته على نحو مخيف فهو بالغ القسوة، جامد القلب، يميل إلى سفك الدماء وإقامة المذابح، وهو بالفعل كذلك.

 

وبالإضافة إلى شغفه بالعلوم والفنون شارك بالتأليف والكتابة، فوضع مجموعة من القوانين التي أطلق عليها اسم “تزوكيات”.

ويعد “تيمورلنك” عند الشعوب التركستانية وعند الأوزبك بطلاً قوميًّا، ورمزًا للشجاعة والعدل ومراعاة المبادئ الإسلامية. لكن هذا مجافٍ للحقيقة وخلل عميق فـ (۱۷) مليونًا هذا الرقم المذكور هو تقدير بعض المؤرخين لعدد ضحايا حملات تيمور لنك. العسكرية على مدار حوالي نصف قرن من جهوده التي لم تنقطع لإقامة إمبراطوريته الشخصية، وهذا الرقم كان يمثل أكثر من (۵%) من مجمل سكان العالم في ذلك الوقت.

أثر تيمور لنك على الإسلام وأهله

كان لتيمور لنك أثر بالغ السوء على الإسلام وأهله..

۱) فقد تسبب في تأخر السلطنة العثمانية وفقدانها لقوتها عقودا طويلة؛ مما أضعفها في مواجهة أوروبا؛ وكان يمكن لها أن تتقدم مبكرا ويرسخ الإسلام في أوروبا أسرع وأعمق. استغرقت السلطنة العثمانية عقودا لتستعيد قوتها ووحدتها. لكن هذا الانهيار أعطى للعدو نفَسا طويلا لينمو ويقوى ثم يأتي هو بكفره ليهاجم المسلمين وحواضرهم، بل التف حول العالم الإسلامي الى شرق إفريقيا وامتد الى الخليج وشرق الجزيرة ثم الى الهند المسلمة آنذاك.

۲) كما تسبب في التأخر الحضاري لحواضر المسلمين بتدمير مقارب لما قام به هولاكو؛ مما تسبب في تأخر ما كان يُرجى للمسلمين من ثورة صناعية كانت لتقوم مبكرا جدا، لما كان عند المسلمين من علوم وبداية ميكنة. وكان لها أن تجعل مركز الحضارة العالمية والقوة والسيطرة للمسلمين وأن تبدأ الثورة الصناعية من العالم الإسلامي وليس أوروبا. وكان لهذا أن يجنّب المسلمين فترات الاستعمار، وما تسبب فيه من قتل ومذابح، وإهانات وسرقة ثروات المسلمين ومقدرات بلادهم.

۳) والأهم من ذلك أنه كان ليجنب المسلمين الهزيمة النفسية والحضارية أمام الغرب مما تسبب في ضعف إقامة الإسلام كشريعة وهوية ونظام ومنهج حياة متكامل. كان يمكن لهذا أن يجعل الغرب هو المنبهر بالمسلمين لا العكس كما يعاني المسلمون اليوم.

۴) كما أنه تسبب في ضعف الشام ضعفا شديدا فجعلها عرضة لنزول الصليبيين بها وافتقادها القوة لردهم منذ أول نزولهم؛ حتى أقاموا مستوطناتهم وجاؤوا أفواجا عبر قرن من الزمان في حملات متتالية. وحملات الهالك “تيمور لنك” هي التي مهّدت لهذا البلاء الطويل ومذابحه التي كانت تصل الى قتل (۷۰) ألف مسلم في يوم أو أيام يسيرة كما حدث في القدس الشريف.

۵) أنها أطمعت الصليبيين في الإجهاز على الإسلام تماما؛ ومن رحمة أرحم الراحمين وفاة هذا الهالك قبل قدوم وفد صليبي اليه كان يريد ترتيب الإطباق على العالم الإسلامي بترتيب التزامن بين الصليبيين من الغرب و”تيمور لنك” من الشرق. وهي رحلة معروفة في أدبيات الغرب بـ “الرحلة الى طشقند”. يبكي عليها الغرب الى اليوم.

المنابع:صحف ومواقع

شارك :

آخر المشاركات