تاريخ الإفراج :

تعرّف على قصة الداعية الأمريكي المسلم الثائر مالكوم إكس

بين عشية وضحاها، يتغير مسار الفرد بشكل يقلب مسار حياته رأسًا على عقب في اتجاه تكون خاتمته طيبة، وإن كانت ملامح الحياة الأولى ترسمها خطى الشقاء.. فالأعمال بالخواتيم. هذا ما حدث بالفعل مع الأمريكي، “مالكوم إكس”، أو “الحاج مالك الشبّاز” الذي صار ذلك هو لقبه بعد أن اهتدى إلى الإسلام بعد حياة قضاها بين الجريمة والسجون

حسب موقع رهيافته ( قاعدة البيانات الشاملة للمسلمين الجدد و المبلّغين و المستبصرين) : مالكوم إكس (بالإنجليزية: Malcolm X) أو الحاج مالك الشُباز (۱۹مايو ۱۹۲۵ – ۲۱ فبراير ۱۹۶۵م)، المتحدث الرسمي لمنظمة أمة الإسلام ومؤسس كل من مؤسسة المسجد الإسلامي ومنظمة الوحدة الأفريقية الأمريكية”، يعد من أشهر المناضلين السود في الولايات المتحدة، وفقد أربعة من أعمامه على يد العنصريين البيض، وهو من الشخصيات الأمريكية المسلمة البارزة في منتصف القرن الماضي، والـتي أثـارت حياته القصيرة جدلاً لم ينته حول الدين والعنصرية، حتى أطلق عليه “أشد السود غضباً في أمريكا”، كما أن حياته كانت سلسلة من التحولات، حيث انتقل من قاع الجريمة والانحدار إلى تطرف الأفكار العنصرية، ثم إلى الاعتدال والإسلام ، وبات من أهم شخصيات حركة أمة الإسلام قبل أن يتركها ويتحول إلى الإسلام السني، وهو أشهر خطيب أمريكي أسود، شخصية حرة ترفض الظلم والاضطهاد، وقد نذر حياته للدفاع عن بني جنسه من السود بغض النظر عن إنتمائاتهم الدينية والثقافية وناضل في سبيل الحرية، عندها كُتبت نهايته بست عشرة رصاصة في حادثة إغتياله حيث لقي الله شهيداً في تاريخ ۲۱ فبراير عام ۱۹۶۵م ..

لقد فسر مالكوم الإسم الذي إختاره لنفسه بقوله أن إكس ترمز لما كنت عليه و ما قد أصبحت ،وأيضا تعني المعامل إكس اي مجهول أي غير معلوم الأصل . كما يرمز أيضاً إلى إسم العائلة الأصلي للعبيد الذين ينحدر منهم ، حيث قال مالكم أنه يفضل إستخدام الإسم أكس على أن يستخدم الإسم الذي قد منح لأجداده من قبل مالكهم الجديد عند جلبهم من أفريقيا إلى أمريكا كعبيد . ولنفس الأسباب قام العديد من أعضاء أمة الإسلام بتغير القابهم إلى إكس لإقتناعهم بآراء مالكوم .

ولد مالكوم في أوماها – نيبراسكا لوالديه إيرل ليتل ولويز نورتون ، عمل والده كواعظ و معمداني أيضاً و كان من أنصار ماركوس غارفي، يعتقد أنه قتل على يد ( Black Legion ) مجموعة من العنصريين البيض في لانسنج، ميشيغان عام ۱۹۳۱ ، أما أمه فهي كاربية المولد .حاولت الأم أن تحصل على أي معونة اجتماعية لكي تستطيع ان تستمر في تربية الأولاد لكن لم توافق الهيئات الإجتماعية على اعطائها اي معونة لتربية الأطفال الأمر الذي أدى بها إلى النهاية إلى إصابتها بلوثة عقلية أودعت على أثرها في مستشفى للأمراض العقلية سنة ۱۹۳۹ و أنفصل مالكولم وأشقائه و أرسلو إلى منازل تبني مختلفة ، و قد بقيت الأم في مستشفى الأمراض العقلية حتى قام مالكوم و إخوته إخراجها بعد ۲۶ سنة . تخرج مالكوم من الثانوية بتفوق و بحصوله على أعلى الدرجات بين زملائه و قد كان يطمح أن يصبح محامياً غير أنة لم يكمل تعليمه و ترك الدراسة بعد أن أخبره أحد المدرسين الذين كان يربطه بهم علاقة إحترام و تقدير متبادل أن حلمُه بالذهاب إلى كلية الحقوق بعيد كل البعد عن الواقع كونة زنجياً . بعد معاناته المتكررة في العديد من منازل التبنيِ أرسل إلى معسكر إعتقال ، و عند خروجه إنتقل مالكوم إلى بوسطن للعيش مع أخته الغير شقيقة إيلا ليتل كولينز .استقر مع شقيقته وعمل كماسح احذية. انتقل بعدها إلى حي هارلم بمدينة نيويورك ومارس شتّى انواع الجرائم من سرقة وقوادة وتجارة المخدرات، بل وتظاهر بالجنون ليتجنّب التجنيد الاجباري ابان الحرب العالمية الثانية. أُلقي القبض عليه عام ۱۹۴۶ بتهمة السرقة وحكم عليه بالسجن ۱۰ سنوات وتم اطلاق سراحه بعد ان قضى بالسجن ۷ سنوات.

 

ومن بوسطن إلى نيويورك، انتقل “مالكوم” إلى العمل بالسكك الحديدية كشاب ناهز عامه الحادي والعشرين، وفي حي هارلم تحديدا، حيث تعرّف على مجتمعات السود، مارس الشاب الأسمر “شتّى أنواع الإجرام من سرقة وقوادة وتجارة المخدرات، بل وتظاهر بالجنون ليتجنب التجنيد الإجباري إبان الحرب العالمية الثانية”، عن طريق تصريحه برغبته في إنشاء جيش زنجي، مما أدى إلى استبعاده من الجيش الأميركي.

 

تلك الرحلة الإجرامية التي انتهت أخيرا في قبضة الشرطة -هو ورفيقتان له- فكان نصيبه من العقاب عشر سنوات، في حين نالت رفيقتاه نصف تلك المدة لأنهما كانتا بيضاوين، كما إن صداقته لفتاة بيضاء -في ذلك الوقت- كانت وحدها جريمة تستحق العقاب.

وفي سجن تشارلز تاون العتيق، كان “مالكوم” يعاني ألما قاسيا من قضبان السجن الذي لم يتحمل تقييده له، فكان يلاقي على مشاغبته وعناده حبسا انفراديا كان -لحسن الحظ- سببا في تحويل تفكيره إلى مسار جديد لكثرة تأمله في خلوته حينذاك.

وبعد عام تعرف “مالكوم” على زميل القضبان “بيمبي” الذي كان دائم الحديث عن الدين والعدل، الأمر الذي حرّك نفس اليافع الأسمر -المُلقَّب بالشيطان- إلى فكرة الإيمان بخالق هذا الكون، لينتقل بعد عام آخر إلى سجن كونكورد، فتصله رسالة أخيه “فيلبيرت” الذي أخبره باهتدائه إلى الدين الطبيعي للرجل الأسود، ونصحه ألا يدخن أو يتناول لحم الخنزير.

في رسالته أيضا، أخبر “فيلبيرت” أخاه أنهم جميعا -إخوته- قد اعتنقوا هذا الدين على يد أكثر الشخصيات محورية -فيما بعد- في حياة “إكس”، السيد “إليجا محمد”، وأنهم يتمنون لحاقه بهم. وكذا تحوّلت حياة السجين “مالكوم” من حياة الجريمة خارج السجن، والإجرام داخله، إلى اهتمامات أخرى.

فنقاشات صديقه “بيمبي” مع المساجين حول فكرة الدين، بالإضافة إلى رسائل إخوته المتحدثة عن إسلامهم، كان لها أبلغ الأثر في تحويل هذا الشيطان بداخله إلى جسد يشتعل بالبحث، فقرأ آلاف المجلدات والكتب، وأعلن إسلامه وانضمامه إلى “إليجا محمد”، “فتحسنت أخلاقه وسمت شخصيته وأصبح يشارك في الخطب والمناظرات داخل السجن للدعوة إلى الإسلام”.

بعد فترة من رسالة “فيلبيرت” انتقل “مالكوم” إلى سجن ينورفلك المخفف، والمشهور بمحاضراته ومكتبته الضخمة التي تسع نحو ۱۰ آلاف مجلد قديم ونادر، وفيه زاره أخوه “ويجالند” الذي انضم -هو الآخر- إلى حركة “أمة الإسلام” تحت زعامة “إليجا محمد”.

ذلك الرجل الذي جمع أجزاء مبعثرة من دين الإسلام وادّعى النبوة، مؤسسا دعوته العنصرية بشكل عكسي، “حيث كان مبنيا بالأساس للجنس الأسود من البشر معتبرا أن البيض ليسوا إلا شياطين تحكم الأرض وأن الله هو إله للسود وحسب”. فنسب إلى الإسلام مفاهيم مغلوطة وأسس عنصرية منافية لأصله، وتحلّت جماعته بالأخلاق الحسنة والروح النضالية من أجل السود، وهو ما استثار في “مالكوم” شخصا غير الذي كان عليه.

ففي مكتبة السجن الضخمة، عكف “مالكوم” على القراءة النَهِمة، حتى إنه كان يقرأ حتى تُطفأ الأنوار، وفي زنزانته كان يقرأ على ضوء الممر حتى الصباح، قرابة الخمس عشرة ساعة من القراءة اليومية، قرأ خلالها قصة الحضارة وتاريخ العالم، وما كتبه النمساوي “مندل” في علم الوراثة، إلى جانب دراسته للمعجم لإثراء حصيلته اللغوية.

كما قرأ عن معاناة السود والعبيد والهنود الحمر من الرجل الأبيض وتجارة الرقيق، فغيرت “القراءة مجرى حياته، وكان هدفه منها أن يحيا فكريا لأنه أدرك أن الأسود في أميركا يعيش أصم أبكم أعمى بسبب بعده عن القراءة أو التعلم”.

وبعد سنوات سبع، قررت السلطات تخفيض مدة الحبس والعفو عن “مالكوم” بعدما نجح في استقطاب أعداد كبيرة من المساجين إلى حركة “إليجا محمد”، ليخرج بأفكار تستعدي كل ما هو أبيض، وتتحمس للنضال من أجل الزنوج، لتبدأ نشاطاته الفعلية مع حركة “إليجا” التي تدعو إلى تفوق الجنس الأسود وسيادته، وشيطنة كل ما هو أبيض.

فكانت عقيدة أعلن فيها “إليجا” نبوته، بالإضافة إلى مجموعة من التشريعات التي لا تتصل مع الإسلام من أي جانب، فقد كانت هذه الحركة “تنظر إلى الإسلام على أنه إرث روحي فقط سوف ينقذ السود من سيطرة البيض عليهم، وبسبب قدراته الخطابية والثقافية تدرّج “مالكوم” في المنظمة سريعا حتى صار ذراع “إليجا” ونائبه الأول، والمتحدث الرسمي للحركة، “كما يعود الفضل إليه في زيادة أفراد المنظمة من ۵۰۰ شخص إلى ۳۰۰٫۰۰۰ في غضون تسعة أعوام، من أبرزهم الملاكم الأسطوري “محمد علي كلاي”.

ومن هنا، قرر “مالكوم” أن يكون “مالكوم” الذي صنعته أفكاره، لا ذلك الذي خضع لقولبة العنصريين البيض، فكان أول ما تمرّد به هو استبدال لقب عائلته “ليتل” الذي نعتهم به البيض بعد اجتلابهم من أفريقيا عبيدا، واختار عوضا عن ذلك “إكس” الذي يرمز إلى إعادة تعريفه بذاته، تماما كالمجهول الرياضي “X” الذي يسعى إلى البحث عن قيمته.

وبالفعل، نشط “مالكوم” عنصرا مشعّا لا تخفت طاقته، فبرز في وسائل الإعلام الأميركية من خلال برنامج “الكراهية التي ولدتها الكراهية”، بالإضافة إلى العديد من المناظرات التي خاضها والمقالات التي كُتِبت عنه؛ حتى إن المكتب الفيدرالي راقب نشاطه عن كثب، وتنصّت على مكالماته وزرع عددا من الجواسيس في الحركة، وقد وجدت أفكاره تلاقيا واسعا مع المناضل لأجل الزنوج، الأميركي “مارتن لوثر كينج”.

كان تدرّج “مالكوم” في هيكل المنظمة سريعا ومتزايدا، حتى إنه عُيِّن إماما قوميا فيها قبل عام واحد من اغتيال الرئيس الأميركي “جون كينيدي”، الذي حذّر “إليجا” من التعليق على مقتله، لكن “مالكوم” المُثار لم يكن ليسكت عن هذا، فأخرج تصريحه الشهير بأن “سلاح “كينيدي” قد ارتد إلى نحره وحصد ما زرعه وبأسرع مما توقع هو نفسه”، لينشب بعدها الخلاف بينه وبين “إليجا” الذي جمّد عضويته في المنظمة، فيقرر “مالكوم” تأسيس مؤسسة المسجد الإسلامي عام ۱۹۶۴، والتجوال قليلا في رحلة إلى عالم البراءة الأولى.

فبعد قراءته عن فريضة الحج، قرر أن يلبّي النداء متحرِّكا إلى مكة، وهناك وجد ما لم يكن يعلمه عن دينه الذي لم يكن كاملا. فالإسلام ليس دين السود فقط كما زعم “إليجا” وجماعته، وإنما هو دين البشر جميعا، ففي الحج وجد “مالكوم” الأبيض والأسود، فقضى “بمكة اثني عشر يوما هاله ما رآه فيها من مسلمين بيض وسود كلهم على قلب رجل واحد وبينهم كل أحاسيس المساواة والمحبة”.

تأثر مالكوم تأثرا شديدا بمشهد الكعبة وأصوات التلبية وبساطة وإخاء المسلمين، “فرأى الإسلام الصحيح عن كثب وتعرف على حقيقته، وأدرك ضلال المذهب العنصري الذي كان يعتنقه ويدعو إليه، كما تعلم هناك الصلاة الصحيحة التي كان يجهلها تماما”، وبعد عدد من اللقاءات مع أعلام إسلامية وسياسية في المنطقة العربية، خلص “مالكوم”، أو الحاج “مالك شباز” كما أطلق على نفسه، أن “إدانة كل البيض تساوي إدانة كل السود”.

ففي العالم العربي/الإسلامي وجد “مالكوم” حلم البراءة التي بحث عنها، وليعرف الإسلام الذي أُنزِل على حقيقته، لكن لم يكن الوطن العربي هو الفردوس الذي بحث عنه “مالكوم”؛ لأن “لكل وطن جوانبه المظلمة، شأنه في هذا شأن أي بقعة أخرى في العالم. ولكن “مالكوم” كان يتعامل مع هذا الوطن العربى من منظوره هو، كأميركي أسود، يعاني ويلات التفرقة العنصرية”.

ولهذا السبب استطاع “مالكوم” أن يجد في العالم العربي الإسلامي تحقيقا جزئيا لحلمه بالبراءة وبعالم خالٍ من التفرقة العنصرية”، وكذا “يمكن رؤية بناء السيرة الذاتية ككل على أنه تجسيد لتطور مالكوم من كونه إنسانا ماديا لا روح له ولا ضمير، إلى إنسان قادر على اكتشاف “نزعات مثالية” في نفسه.

فأسس منظمة الوحدة الأفرو أميركية بعد عدد من الجولات في بلاد أفريقيا، وجولة عربية أخرى التقى خلالها بالملك “فيصل”، والرئيس الجزائري “أحمد بن بلة” وعدد من رؤساء وقادة الدول العربية، ودخل مصر والسودان والحجاز وتهامة، وكانت زيارته للأزهر فاصلة في حياته المتبقية، فأعلن إسلامه من جديد، وحمله في قلبه إلى معقل دعوته.

إلى أميركا مرة أخرى، لكن بنفسية عالجها الحج، وعنصرية كانت قد اختفت تماما، ليصل الحاج “مالك” إلى منطقة الاتزان بين النزعتين، وكعادته، توجّه إلى “إليجا محمد” لإقناعه بباطل دعوته وأن الإسلام لا يدعو إلى ما يدعو هو إليه، بل ودعاه إلى زيارة الكعبة، وهي الدعوة التي لم يقابلها إلا بالغضب الشديد والطرد.

 

لكنه، وبحماسته السابقة، واصل دعوته الجديدة بعد تقويمها، ليضم عددا كبيرا من السود وغير السود إلى الإسلام، لتتفاقم الفتنة بينه وبين “إليجا”، الذي هدده إن لم يكفّ عن دعوته، وأثار حملة إعلامية ضده لم تُزِد “مالكوم” إلا إصرارا ومواصلة بين الناس.فما كان من الصحف والقنوات التي يسّرت له السبيل عند تصدّره لمنظمة “إليجا” إلا الحرب والهجوم عليه حينما عزف عن دعوته السابقة وانتشر في جنبات أميركا يدعو إلى الإسلام الذي عرفه في مكّة والأزهر الشريف.

وفي عام واحد زلزل “مالكوم” قواعد جماعة “إليجا” في أميركا، “وقد أضحى أعلى صوتا وأقوى حجة، زارعا بذور الحقد والضغينة في قلوب جماعة “أمة الإسلام” ومؤسسها وقد بدأ رصيدها في الانحدار، لتتخذ القرار بإسكاته عن طريق التهديد المتواصل أو قتله إذا اقتضى الأمر، وهذا كله يجري تحت نظر وسمع وكالة المخابرات الأميركية”.

وبعدما طردته المنظمة من منزله، بحجة ملكيتها له، نذر “مالكوم” نفسه لدعوته الجديدة بصفة كلية، وهي الدعوة إلى الإسلام اللاعنصري كما أسماه، ورد على دعوات التشويه التي تتهمه بتحريض السود بأنه “عندما تكون عوامل الانفجار الاجتماعي موجودة، فلا تحتاج الجماهير إلى من يحرضها، وإن عبادة الإله الواحد ستقرب الناس من السلام الذي يتكلم الناس عنه ولا يفعلون شيئا لتحقيقه”.

ثم ما لبثت الشهور القليلة أن تمر حتى احتدم الصراع بقوة بين “مالكوم” و”إليجا”، وعقب حريق أُشعِل في منزله -تماما كما حدث في صباه- كان “مالكوم” يقف على منصته بقاعة نيويورك للمؤتمرات، وما هي إلا دقائق حتى اشتعل الصخب بمحاضرته الأخيرة قبل أن يتلهّى الحرس.

فإذا به يجد نفسه أمام فوهة مصوبة إلى صدره بست عشرة رصاصة لم تخطئ أي منها طريقها، قبل أن يسقط الحاج “مالك شباز” بابتسامته الشهيرة التي لم تفارقه حتى دُفِن. مُخلِّفا وراءه إرثا ثقافيا ونضاليا كان -رغم قصر فترته- له أبلغ الأثر في تعديل أوضاع السود في القوانين الأميركية بعد ۴۰۰ عام من النضال ضد استعباد الرجل الأبيض.

تم القبض على القتلة الذين تبيّن أنهم من رجال منظمة أمة الإسلام، ولكنهم أنكروا أن يكونوا قد تلقوا أوامر من إليجا محمد بقتل مالكوم إكس، وقالوا أنهم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم فلم يُدَن إليجا محمد بشيء، وتوفي شهيداً عن عمر يناهز الأربعين، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ..

قامت شرطة نيويورك بالقبض على مرتكب الجريمة توماس هاجان وثارت عدة نظريات تقول بأن أغتيال مالكوم إكس كان مؤامرة وقف وراءها مروجو المخدرات أو الإف بي آي أو السي آي ايه، لكن من الراجح أن هذه العملية كانت من عمل منظمة أكبر من منظمة أمة الإسلام، فمالكوم إكس قد تدرج في منظمة أمة الإسلام وهو يعرف مقدرتها وهذا كان أكبر من قدراتها ..

جاء في موقع ويكيبيديا بإنه في أبريل عام ۲۰۱۰م أطلقت السلطات الأمريكية سراح توماس هاجان قاتل مالكوم إكس من سجن نيويورك بموجب عفو بعد ۴۵ عاماً من حادثة الأغتيال، وكان توماس هاجان البالغ من العمر ۶۹ عاماً هو الشخص الوحيد الذي أعترف بدوره في أغتيال مالكوم، أعترف هاجان بأنه أطلق النار على مالكوم إكس أثناء إلقائه خطبة في حي هارلم عام ۱۹۶۵م لكنه أصر على أن الرجلين الآخرين المدانين معه في نفس المحاكمة لاعلاقة لهما بالأمر وتمسك الرجلان الآخران بأنهما بريئان، فأطلق سراحهما بموجب عفو في الثمانينات من القرن الماضي، وتقدم هاجان الذي أبدى الندم على فعلته مراراً بستة عشر طلباً للعفو خلال سنوات سجنه لكن لم يستجب لطلبه إلا في شهر مارس ۲۰۱۰م، يذكر أن السلطات الأمريكية قد سمحت لهاجان بقضاء خمس ليال في الأسبوع في منزله خلال السنوات الاثنتين والعشرين الأخيرة من فترة سجنه ..

بعد وفـاة مالكوم نشرت الصحف خبر مقتل لمتطرف، وإستمر الإعلام في طمس صورة مالكوم الثوري الذي ناضل كثيراً من أجل حقوق السود والمستضعفين، والمفارقة هي أنهم صوره على أنه متطرف رغم أنه كان ضحية لـتطرفهم وإرهابهم العنصري، وبعد وفـاة مالكوم لم ينصفه أحد سوى كاتب سيرته الذاتية أليكس هايلي الذي عمل لسنوات مع مالكوم على هذا الكتاب لـنقـل قصته وبكل مصداقية بدون تجميل أو تلميع، فبيعت أكثر من ۶ ملايين نسخة من السيرة الذاتية لمالكوم إكس في ۱۰سنوات فقط بعد أغتياله، ويستمر إلى يومنا هذا وبعد مرور نصف قرن ليكون نصاً ثورياً مهماً لكل من يريد أن يغير ويتغير في مجتمع ظالم يحرم أفراده من حقوقهم ..

كانت وفاة مالكوم إكس نقطة تحول في سير حركة أمة الإسلام حيث تركها الكثيرون والتحقوا بجماعة أهل السنة وعرفوا دينهم الحق، وتغيرت كثير من أفكار الجماعة خاصة بعد رحيل إليجا محمد وتولية ابنه “والاس محمد” الذي تسمى بـ “وارث الدين محمد” فصحح أفكار الجماعة وغير اسمها إلى البلاليين نسبة إلى الصحابي بلال بن رباح، وجعل المسلمين السود الأمريكيين أقرب ما يكونوا إلى تيار الإسلام الوسطي وكان كل ذلك صدى لأفكار ودعوة مالكوم إكس، وبعد شهر واحد من أغتيال مالكوم إكس أقر الرئيس الأمريكي جونسون مرسوماً قانونياً ينص على حقوق التصويت للسود وأنهى الاستخدام الرسمي لكلمة نجرو – كلمة إنكليزية تعني الزنجي وتعتبر إهانة في الغالب التي كانت تطلق على السود في أمريكا ..

تم إنتاج فيلم مالكوم إكس عام ۱۹۹۲م وأخرجه المخرج سبايك لي، يدور حول سيرة حياة مالكوم إكس، كان هذا الفيلم هو أول فيلم غربي يقوم بتصوير بعض المشاهد في مكة المكرمة، بإذن من الهيئة الشرعية، وقد تم تصوير بعض مشاهد الفيلم في كل من الولايات المتحدة ومصر وجنوب أفريقيا والمملكة العربية السعودية، تلقى الفيلم ترشيحين لجائزة الأوسكار عام ۱۹۹۳م ..

تم أختيار تاريخ ۱۹مايو هو يوم مالكوم إكس من كل عام ليكون مخصصاً لهذه العطلة السنوية، وأحياناً تكون في يوم الأحد من الأسبوع الثالث في شهر مايو هو يوم عطلة رسمي في ذكرى ميلاده في كل من ولاية كالفورنيا وفي ولاية جورجيا وفي العاصمة واشنطن، تخليداً وتكريماً لمسيرته ..

تم إطلاق أسم الحاج مالك الشُباز على مسجد رقم ۷ في حي هارلم في نيويورك، وهو أول مسجد مارس فيه مالكوم إكس الدعوة إلى الإسلام والذي تم تفجيره بعد إغتياله، تم إعادة بنائه من قبل بعض المسلمين في الحي، تكريماً وتخليداً لجهوده ..

في عام ۱۹۷۲ تم إطلاق أسم مالكوم إكس على مدرسة للتعليم الثانوي في ولاية نيو جيرسي تكريماً وتخليداً لسيرته وجهوده ..

في عام ۱۹۶۹م تم رسمياً من قبل حكومة ولاية شيكاغو تغيير أسم كلية ثيودور هرتزل (مؤسس الحركة الصهيونية من عام ۱۹۳۴م) إلى كلية مالكوم إكس تكريماً لجهوده ونضاله في سبيل العدالة الاجتماعية وحقوق السود في التعليم والتجارة والمساواة والكرامة ..

أخيراً أقول شخصية مالكوم إكس ..أو الشهيد الحاج مالك الشُباز شخصية غير عادية، بل هو رمز من رموز الحرية وملهم لملايين الشباب من المسلمين في عدم الرضوخ والخنوع للظلم، ومثال كبير على الداعية الإسلامي الذي يبحث عن الحق ويموت في سبيله ..

كذلك طور “مالكوم” الكثير من الأفكار والمبادرات “التي غيرت من مسار نضال السود في أميركا ومهدت السبل لظهور عدة منظمات وأفكار على الساحة السياسية بعد غيابه، مثل حزب الفهود السود وفكرة قوة السود، فشكلت أفكاره مكونا أساسيا لا غنى عنه من مكونات نضال السود في أميركا”.

بهذا أُسدِل الستار الأخير في سيرة الصبي “ليتل” الذي اجتذبه الإجرام بعد الوحشية التي عاينها، وبتلك الرصاصات أُغلِقت صفحة السيد “إكس” الذي بحث عن تعريفه في عالم النضال، فاهتدى إليها في عالم البراءة الأولى بصفته الحاج “مالك الشباز” الذي كان -ولآخر لحظاته- واقفا على قدميه يعلّم الناس أن يكونوا عبادا لله لا يفرقهم لون لم يختره أيهم لنفسه.

وهكذا قضى “مالكوم” بعدما توقع مصيره، إذ قال: “أنا الآن أعيش زمن الاستشهاد، فإذا حدث ومت فإنني سأموت شهيد الأخوة، وهي الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذ البلاد. لقد وصلت إلى هذه القناعة بعد تجربة شاقة ولكنني وصلت إليها”. لكن.. يبدو أن السيرة لم تنتهِ بذهاب الجسد.

المنابع:صحف ومواقع

شارك :

آخر المشاركات